الشيخ السبحاني

78

مفاهيم القرآن

وعقولهم ، ولم تجتثّ الرواسب الجاهلية المتأصّلة فيهم ، فقد كانت هذه الرواسب تلوح منهم بين حين وآخر ، . وتظهر مظاهر التذبذب والتردّد ؛ كلمّا أحكمت الصعوبات والمحن بقبضتها عليهم ! ! ! ففي معركة ( أحد ) مثلًا عندما ترك بعض الرماة مواقعهم على الجبل ( خلافاً لأمر الرسول الأكرم وتأكيداته على البقاء ) وبوغت المسلمون بهجوم الكفار عليهم وهم يجمعون الغنائم ، واصيبوا بنكسة كبرى وروّج الأعداء المشركون شائعات عن مقتل النبيّ الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، هرب بعض المسلمين من ساحة المعركة ، ولاذ بعضهم بالجبل ، بل فكّر بعضهم بالتفاوض مع المشركين حتّى أتاهم أحد المقاتلين ووبّخهم على فرارهم وتخاذلهم وتردّدهم قائلًا : « إن كان محمّد قد مات فربّ محمّد حيّ ، قوموا ودافعوا عن دينه » « 1 » . ولم تكن هذه الواقعة وحيدة من نوعها ؛ فقد ظهرت بادرة الارتداد من بعضهم في ( هوازن ) ما لا يقلّ عمّا ظهر في أحد . فقد روى ابن هشام عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ ، قال : لمّا استقبلنا وادي حنين ؛ انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف ( أيمتّسع ) حطوط ( أيمنحدر ) إنّما ننحدر فيه انحداراً ، وقال : وفي عماية الصبح ، وكان القوم ( العدو ) قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيّأوا وأعدّوا ، فواللَّه ما راعنا ونحن منحطون إلّا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد وانشمر ( أيانهزم ) الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد وانحاز رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ذات اليمين ، ثمّ قال : « أين أيّها الناس هلمّوا إلّي ، أنا رسول اللَّه » . فانطلق الناس ( أيهربوا ) إلّا أنّه قد بقي مع رسول اللَّه نفر من المهاجرين والأنصار . فلمّا انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم‌من جفاة أهل مكّة الهزيمة ؛

--> ( 1 ) - سيرة ابن هشام 2 : 83 .