الشيخ السبحاني

72

مفاهيم القرآن

ذلك الحكم في الحقائق التكوينيّة أو في الشرائع الوضعيّة « 1 » الاعتباريّة ، وقد أيدّ كلامه تعالى هذا المعنى ، كقوله : « إِنِ الْحكْمُ إِلَّا لِلّهِ » ( الأنعام : 57 يوسف : 67 ) وقوله تعالى : « أَلَا لَهُ الْحُكْمُ » ( الأنعام : 62 ) وقوله تعالى : « لَهُ الْحَمْدُ فِي الاولَى وَالأخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ » ( القصص : 70 ) وقوله تعالى : « وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ » ( الرعد : 41 ) ولو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن يعقّب حكمه ويعارض مشيئته ، وقوله تعالى : « فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَليِّ الْكَبِيرِ » ( غافر : 12 ) إلى غير ذلك . ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى ، قوله : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » ( يوسف : 40 ) فالحكم للَّه سبحانه لا يشاركه فيه غيره ، على ظاهر ما يدلّ عليه ما مرّ من الآيات ، غير أنّه تعالى ربّما ينسب الحكم مطلقاً وخاصةً التشريعيّة منه إلى غيره ، كقوله تعالى : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ » ( المائدة : 95 ) وقوله لداوود - عليه السلام - : « إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ » ( ص : 26 ) وقوله للنبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ » ( المائدة : 49 ) وقوله « يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ » ( المائدة : 44 ) إلى غير ذلك من الآيات وضمّها إلى القبيل الأوّل يفيد ؛ أنّ الحكم الحقّ للَّه سبحانه ب ( الأصالة ) وأوّلًا ، لا يستقلّ به أحد غيره ، ويوجد لغيره بإذنه وثانياً . ولذلك عدّ تعالى نفسه أحكم الحاكمين وخيرهم ، لما أنّه لازم الأصالة والاستقلال والأوّليّة ، فقال : « أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ » ( التين : 8 ) وقال : « وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ » ( الأعراف : 87 ) « 2 » » . وكتب حول قوله تعالى : « أَلَا لَهُ الْحُكْمُ . . . » ( الأنعام : 62 ) أيضاً يقول : ( قوله

--> ( 1 ) - المصطلح لدى الاصولييّن في الوضعيّة هو الأحكام والقوانين المجعولة كالسببيّة والشرطيّة والرئيسيّة والمرؤوسيّة والحاكميّة والمحكوميّة ويقابله الأحكام التكليفيّة الخمسة المعروفة كالوجوب والحرمة والكراهة والاستحباب والإباحة . غير أنّ الأستاذ ( قدّس سرّه ) أراد منها هنا مطلق الأحكام التشريعيّة سواء أكانت بلسان الوجوب والحرمة ، أم غيرها ، ممّا تسمّى - اصطلاحاً بالأحكام الوضعيّة . ( 2 ) - تفسير الميزان 7 : 117 - 118 .