الشيخ السبحاني

73

مفاهيم القرآن

تعالى : « أَلَا لَهُ الحُكْم » إلخ . . لمّا بيّن تعالى اختصاصه بمفتاح الغيب وعلمه بالكتاب المبين الذي فيه كل شيء ، وتدبيره لأمر خلقه من لدن وجدوا ، إلى أن يرجعوا إليه ، تبيّن أنّ الحكم إليه لا إلى غيره ، وهو الذي ذكره فيما مرّ من قوله : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » أعلن نتيجة بيانه فقال : « أَلَا لَهُ الْحُكْم » ليكون منبّهاً لهم ممّا غفلوا عنه ) « 1 » . فإذا لم تكن الحاكميّة إلّا للَّه تعالى ، كان إليه وحده أمر التنصيص والتعيين للحاكم الأعلى ، أمّا على الاسم والشخص ؛ كما إذا اقتضت المصالح أن يكون لون الحكومة على هذا النمط ، أو على الصفات والشروط اللازمةفيه ؛ كما إذا اقتضت المصلحة أن يكون لون الحكومة على هذا الطراز . بيد انّ المسلمين قد اتفقوا على أنّ النبيّ الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان حاكماً منصوباً من جانبه سبحانه على الامّة . ومن المعلوم ؛ أنّه لو كان هناك تنصيب للشخص لما كان للُامّة رفض النصّ والتعيين والركون إلى الطريق الآخر . . يقول سبحانه : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِيناً » ( الأحزاب : 36 ) . وقد نصّ اللَّه تعالى على حاكمية النبيّ ، وحاكميّة ولاة الأمر من بعده إذ قال في كتابه : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمرِ مِنْكُمْ » ( النساء : 59 ) . ومن الواضح أنّ وجوب إطاعة النبيّ واولي الأمر « 2 » في كلّ ما يأمر وينهى دليل

--> ( 1 ) - تفسير الميزان 7 : 136 . ( 2 ) - المشهور بين الإماميّة تبعاً للأخبار أنّ المراد من اولي الأمر ؛ أشخاص معيّنون بأسمائهم وشخصيّاتهم ، وقد نصّ النبيّ عليهم في متواتر الأحاديث والروايات ، التي رواها أعلام الحديث من الفريقين ، فهي قضيّة خارجيّة - حسب المصطلح المنطقيّ - مقصورة على أولئك الأشخاص ، وليست قضيّةً كليّةً قانونيّةً مضروبةً على إطاعة كلّ من ولي الأمر من المؤمنين ، حتّى تصير قضيّةً حقيقيّةً حسب اصطلاح المنطق . وإن كان - ربّما - يجب إطاعة ولي الأمر من المؤمنين ، لكنّه بسبب دليل آخر لا لأجل هذه الآية ، وهناك وجه آخر في مفاد الآية قرّر في محلّه .