الشيخ السبحاني
105
مفاهيم القرآن
الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم التحق بربه وقد أدّى ما عليه من مهمّة التبليغ والدعوة خير أداء ، وقام بتثقيف الامّة الإسلاميّة أفضل قيام ، ولكن الامّة كانت تعاني - بعد وفاة النبيّ - من مشكلات كبيرة تشريعيّة بالنسبة للحوادث المستجدّة والوقائع الجديدة ، فماذا كان السبب ؟ فهل كان هناك نقص في التشريع الإسلاميّ ، أم كان هناك أمر آخر يتعلّق بالامّة نفسها ؟ . وبعبارة أخرى : إنّ القرآن الكريم والسنّة المطهّرة أعلنا من جانب عن إكمال الشريعة وأنّه ما من شيء تحتاج إليه الامّة إلّا وقد جاء به الكتاب والسنّة ، وبيّنه وأتمّه النبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد من المسلمين ، خصوصاً بعد القول بخاتميّة النبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وانسداد باب الوحي الإلهيّ . ومن جانب آخر ، نرى بأن الامّة الإسلاميّة فوجئت بعد وفاة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بحوادث جمّة لم تجد لها حلولًا في الكتاب والسنّة ، وقد اعترفت بذلك أتم اعتراف . فكيف يمكن الجمع بين الأمرين والتوفيق بينهما ؟ . إنّ الذي تدلّ عليه الشواهد التأريخية ؛ هو أنّ المسلمين لم يستطيعوا - رغم ما بذله الرسول الأكرم من جهود كبرى في فترة رسالته - أن يستوعبوا التربية العلميّة الكافية والتعبئة الفكريّة اللازمة التي تؤهّلهم لمواجهة جميع المفاجئات ، وحلّ جميع المشكلات والمسائل المستجدّة بعد وفاة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وذلك لأنّ مثل هذه التربية الكافية ، وهذه التعبئة الوافية بالحاجة والحاجات المستجدّة كانت تتطلّب فترة طويلة ، وجوّاً من الطمأنينة ، وتركيزاً شديداً . ولكن هذه الظروف والشرائط المساعدة لم تتوفّر لا للمسلمين ، ولا للنبيّ الأكرمصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم خلال مدّة الدعوة التي استغرقت 23 عاماً . وإليك فيما يأتي تفصيل العوامل التي حالت دون أن يستوعب المسلمون جميع أبعاد الشريعة ، ويتلقّوا عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم التعبئة الفكرية الكافية والتعليم الواسع ، رغم