الشيخ السبحاني
106
مفاهيم القرآن
ما بذله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في سبيل تحقيق ذلك من جانبه : ( أ ) : لقد قضى الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الفترة المكّيّة من حياته الرسالية التي استغرقت 13 عاماً كاملة - في دعوة المشركين في مكّة ، وما حولها . تلك الدعوة الرفيقة الرحيمة المخلصة التي كانت تقابل بالعناد واللجاج منهم ، وتواجه بالمضايقات وخلق الصعوبات . وحتّى لو تمكّن الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من إحراز بعض النجاح في مهمّته فإنّ عناد المشركين والوثنيين يجعل تلك النتائج قليلة وضئيلة . . واستمر هذا الحال في مكّة حتّى انتهى إلى محاولة اغتيال الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والقضاء على حياته الشريفة - في فراشه - ، وكانت الهجرة المباركة إلى يثرب ( المدينة ) . إنّ تركيز الدعوة في مكّة على الجوانب الاعتقادية لم يسمح بالتكلّم عن القوانين العباديّة والاجتماعيّة ، والسياسيّة . . هذا مضافاً إلى أنّ التحدّث عن هذه الجوانب والمسائل التي تتعلّق بالنظام الاجتماعيّ في ذلك الجوّ الخانق ، ومع تلك العقول البدائيّة ، والنفوس غير المستعدّة ، كان بعيداً عن مقتضى البلاغة ، التي تقتضي أن يكون لكلّ مقام مقال ولكلّ مقال مقام . لأجل ذلك نجد أنّ الآيات التي نزلت في مكّة تدور - في الأغلب - حول قضايا التوحيد والمعاد وإبطال الشرك ومقارعة الوثنيّة وغيرها من القضايا الاعتقاديّة الكليّة ، حتّى صار أكثر المفسّرين يعرف الآيات المكّية والمدنيّة ويميّز بينهما بهذا المعيار . وأمّا في الفترة المدنيّة التي استقبل فيها أهل المدينة رسول الإسلام بحفاوة بالغة وشوق كبير ، فقد تمكّن الرسول الأكرم - بعد أن وجد بعض الأجواء المناسبة للتربية والتعليم - أن يبيّن للُامّة بعض أحكام الإسلام ويطبق قسماً منها ، ويعرّف الناس بواجباتهم وحقوقهم ، وما يجب أن يعرفوه من مسائل الحلال والحرام . غير أنّ حياة الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في المدينة لم تسلم ولم تخل هي أيضاً من مزاحمة