سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
55
الإكسير في علم التفسير
وأجمع ما رأيته من التفاسير لغالب علم التفسير كتاب القرطبي « 1 » ، وكتاب مفاتح الغيب « 2 » ولعمري كم فيه من زلة وعيب . وحكى لي الشيخ شرف الدين اليصني المالكي : أن شيخه الإمام الفاضل سراج الدين المغربي السرمساحي المالكي صنّف كتاب « المآخذ على مفاتح الغيب » وبيّن ما فيه من البهرج والزيف في نحو مجلدين ، وكان ينقم عليه كثيرا ، خصوصا إيراده شبه المخالفين في المذهب والدين ، على غاية ما يكون من القوة ، وإيراد جواب أهل الحق منها على غاية ما يكون من الدهاء . ولعمري إن هذا لدأبه في غالب كتبه الكلامية والحكمية ، كالأربعين ، والمحصل ، والنهاية ، والمعالم ، والمباحث المشرقية ، ونحوها . وبعض الناس يتهمه في هذا وينسبه إلى أنه ينصر بهذا الطريق ما يعتقده ولا يجسر على التصريح به . ولعمري إن هذا ممكن ، لكنه خلاف ظاهر حاله ، فإنه ما كان يخاف من قول يذهب إليه ، أو اختيار ينصره ، ولهذا تناقضت آراؤه في سائر كتبه وإنما سببه عندي ، أنه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحق ، كما صرح به في وصيته التي أملاها عند موته ، فلهذا كان يستفرغ وسعه ، ويكدّ قريحته في تقرير شبه الخصوم ، حتى لا يبقى لهم بعد ذلك مقال ، فتضعف قريحته عن جوابها على الوجه ؛ لاستفراغه قوتها في تقرير الشبه ، ونحن نعلم بالنفسية الوجدانية ، أن أحدنا إذا استفرغ قوة بدنه في شغل ما من الأشغال ، ضعف عن شغل آخر ، وقوى النفس على وزان قوى البدن غالبا . وقد ذكر في مقدمة كتاب « نهاية العقول » ما يدل على صحة ما أقول ؛ لأنه التزم فيه أن يقرر مذهب كل خصم ، لو أراد ذلك الخصم تقريره ، لما أمكنه الزيادة عليه أو أوفى « 3 » بذلك . ولهذا السبب قرّر في كتاب الأربعين أدلة القائلين بالجهة ، ثم أراد الجواب عنها ، فما تمكن منه على الوجه ، فغالط فيه في موضعين قبيحين ، ذكر هما في مواضع كثيرة ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) وهو « الجامع لأحكام القرآن : مطبوع متداول . ( 2 ) للفخر الرازي وهو مطبوع . ( 3 ) في الأصل . ووفى بذلك .