سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
56
الإكسير في علم التفسير
تنبيهان : أحدهما : قد ذكرنا أن أقسام العلم وأنواعه متعددة متكثرة ، وذلك ظاهر في أن حقيقة العلم يلحقها التعدد والتكثر ، والذي يجب اعتقاده أن ذلك لا يلحقها ، بل هي ماهية واحدة تتصف النفس بها ؛ ولهذا عرّف العلم بأنه صفة توجب تميّزا ، وإنما التعدد والتكثّر في متعلقه ، وهو المعلوم ، ثم يطلق عليه اسم العلم مجازا ، إطلاقا لاسم المتعلّق - بكسر اللام - على المتعلّق - بفتحها - وكذلك استعملناه في التقسيم ، وممن حكي عنه هذا المعنى سيبويه « 1 » الثاني : أننا ذكرنا أن علم القرآن ، وكذا غيره ، إما متعلق باللفظ أو المعنى ، والمراد : أن بعضه يتعلق بالمعنى بواسطة اللفظ ، وبعضه يتعلق به من غير واسطة ، لا أن بعضه يتعلق باللفظ لذاته ؛ لما ثبت من أن الألفاظ آلة يتوصل بها إلى المعاني التي هي الأغراض ، وأنها خدم لها ، فالمقصود لذاته إنما هو المعنى ، فبهذا الاعتبار جميع العلوم معنوية . وإنما يتجه انقسامها إلى لفظي ومعنوي بالاعتبار الذي ذكرناه من الواسطة وعدمها ، ويدل على أن الألفاظ غير مقصودة لذاتها وجوه : الأول : أن العرب متى فهمت المعنى بدون اللفظ ، حذفته وجوبا ، نحو : جواب لولا ، وفي نحو ضربي زيدا قائما ، وأخطب ما يكون الأمير جالسا ، وكحذف الخبر تارة ، والمبتدأ أخرى ، والجملة ، نحو : نعم ، جوابا لمن قال : أقام زيد ؟ أو أعندك عمرو ؟ الثاني : أن من نطق بألفاظ لا معنى تحتها ، عدّ هاذيا لا متكلّما . ولو أفاد معنى بدون اللفظ ، كالإشارة والرمز ، لعدّ متكلّما عرفا ، وحيث دار القصد مع المعنى وجودا وعدما ، دل على أنه المقصود لذاته لا الألفاظ . الثالث : أننا نتصرف في الكلام بالحذف والتقدير ؛ لتصحيح المعنى . فتقدر الجملة
--> ( 1 ) هو عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريّين من أهل فارس ونشأ بالبصرة وأخذ عن الخليل ، مات سنة 180 ه وعمره اثنتان وثلاثون سنة وقيل نيف وأربعون .