سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

53

الإكسير في علم التفسير

والحق والباطل ، وشبّهه بماء الغيث - الذي تجري به الأودية فيحمل الغثاء ، وهو : ما تحمله من عود أو شجر أو غيره - ولذلك فالغثاء ، وهو : الزبد ، يذهب جفاء : أي يلقى مطّرحا ، وينتفع بالماء بما ينبت من الكلأ ، ويروى من الظمأ ، وبالمعادن كالحديد والصفر والنحاس إذا عولجت بالنار ، فإنها تذهب خبثها ، وما لا ينتفع منها ، ويبقى الجوهر الصافي ينتفع به ، باتخاذه حلية أو متاعا . وذكر بعض المفسرين أن معنى قوله تعالى : فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أن المعادن تقذف زبدها فتلقيه ، ويبقى خالصها ، مستترة في مستقر من الأرض ، وهذا موافق لقول الكيمائيين . وهؤلاء الناسخة يحتمون لمذهبهم في التناسخ بقوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ « 1 » أي كانوا بشرا مثلكم ثم نسخت أرواحهم في أجسام الدواب والطيور ، بدليل قوله تعالى : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ « 2 » عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ « 3 » وبقوله تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 4 » لكنه احتجاج ضعيف يرده المعقول والمنقول ، وهؤلاء المتصوفة ، وأصحاب الرياضيات والمجاهدات يحتجون على ثبوت العلم اللدنيّ بقوله تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 5 » ويقولون : ان الإنسان إذا راض نفسه بالعبادة وقلة الغذاء ، استعدّت لقبول الفيض الإلهي ، فيفيض عليها منه علم تدرك به حقائق بعض الغائبات ، كالمرآة إذا جلّيت أشرقت ، واستعدت لحكاية صور المقابلات ، إلا أن هذه دعوى صحيحة ، ومتمسك صحيح ، لا وجه للنزاع فيها بعد تحقيق وقوع ذلك كثيرا من صالحي هذه الأمة وغيرها ، ويكفي من ذلك قصة الخضر عليه السلام ، قال بشر بن الحارث الحافي « 6 » رحمه اللّه : الجوع ينور القلب ، ويكسر شره النفس ، ويورث العلم الدقيق » . والظاهر أنه أشار إلى هذا .

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 38 . ( 2 ) سورة الواقعة آية 60 . ( 3 ) سورة الواقعة آية 61 . ( 4 ) سورة الانفطار آية 8 . ( 5 ) سورة الكهف آية 65 . ( 6 ) بشر بن الحارث المعروف بالحافي توفي سنة 227 - تاريخ بغداد 7 / 67 .