سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

39

الإكسير في علم التفسير

الثاني : بتقدير أنهم علموا الحديث ، لكن الممنوع من الكلام هو العامي أو الضعيف الذي ليس له أهلية الكلام فيه بدليل قوله عليه السلام : « من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » صححه الترمذي . أما العلم المتأهل للكلام فيه فليس ممنوعا منه ، ذكر ذلك الحسين بن مسعود في مقدمة تفسيره لمفهوم الحديث ، ومن هذا يخرج الجواب عن حكاية الصديق ؛ لأن سكوته كان عما لا يعلم منه ، بدليل قوله « إذا قلت في القرآن ما لا أعلم » وبدليل أنه قد تكلم في أحكام الشريعة بما علم ، وليس الكلام في القرآن بأعظم خطرا من الكلام في الأحكام ؛ إذ الكل كلام في دين اللّه تعالى . وأما الأصمعي رحمه اللّه ، فإن كان احتماؤه للكلام فيه بما لا يعلم فهو غاية التوفيق والصواب ؛ لأن كلامه إذن فيه يحرم ، وإن كان مع العلم فذلك : إما جمود وجبن ، وإما خروج إلى السلامة ، واكتفاء بمن تكلم فيه قبله ، وفي عصره من الأئمة الذين هم حجة عليه وله . الثالث : لعل علماء السلف رحمهم اللّه رأوا أن الكلام في القرآن متعيّن عليهم ، وأنهم أولى به ممن أتى بعدهم ؛ لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل ، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه ؛ خشية أن يدرس من علم شريعة اللّه ودينه ما لا يمكن تداركه ، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع كالأحكام الفرعية الاجتهادية ، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة « 1 » لما رأى ما دخل على مغازي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الزيادة والنقص ، جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك ، ومن الكذب ، فأثنى العلماء عليه بها ، وحكموا بأنها أصح المغازي . إذا ثبت ذلك ، وأن علماء الأمة سلفا وخلفا قالوا في التفسير باجتهادهم مما لم يثبت أخذه بخصوصه من الشارع ، وجب وضع قانون يتوصل به إلى علم التفسير ، فنقول وباللّه التوفيق : كلما أردنا فهم معنى كلام اللّه عز وجل فلا يخلو : إما أن يكون بيّنا بنفسه كالقسم الأول من قسمي الكلام المذكورين ، أو لا ، فإن كان فلا إشكال ؛ إذ المراد منه هو المفهوم منه

--> ( 1 ) هو موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي عالم بالمغازي ، من ثقات رجال الحديث من أهل المدينة ، ولد وتوفي بالمدينة ، وله كتاب في المغازي . الأعلام للزركلي 8 / 276 .