سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

38

الإكسير في علم التفسير

صرح الحميدي « 1 » رحمه اللّه بأن سبب اختلاف مذاهب الفقهاء هو ما ذكرته فيه ، وإذا جاء مثل هذا في مذاهب الفقهاء جاز مثله في مذاهب المفسرين ؛ لاشتراكهما في السبب ، وكونهما من الدين ، فإن قلت : لا يظنّ بعلماء السلف الصالح مع ورعهم وزهدهم وثقتهم وأمانتهم ، وما كانوا عليه من خوف اللّه ورهبته ، وتعليم آياته وكتبه ، أن يقدموا على تأويل القرآن من عندهم ، مع علمهم بقوله عليه السلام : « من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » رواه الترمذي « 2 » وحسنه ، وفي لفظ وأضاف : فقد أخطأ ، وبما حكي عن الصدّيق رضي اللّه عنه من قوله : « أيّ سماء تظلّني ، وأي أرض تقلّني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم » . وكان الأصمعي « 3 » مع تقدمه وسعة باعه في اللغة ، يحتمي تفسير القرآن وإعرابه ، وإذا احتمى تفسيره والكلام فيه مثل هذين الإمامين المتقدمين في عصرهما ، فغيرهما ممن هو دونها أولى ، وحينئذ يتعين حمل كل ما نقل من تفسير القرآن على أنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قلت : قد بينّا أن نسبة جميع ما نقل من التفسير إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مما لا سبيل إليه البتة ؛ لوقوع الخلاف فيه ، والتناقض ، وتصريح كثير من المفسرين بنسبة أقوالهم إلى أنفسهم ، وأما ما ذكرت من الشبهة فلا مرية في إنصاف السلف بما ذكرت من الصفات الجميلة ، لكن ذلك لا ينافي كلامهم في القرآن لوجوه : أحدها : أن تقدير صحة الحديث المذكور يجوز أنهم ما علموه . أو أن الذي علمه منهم لم يتكلم فيه ، ولسنا ندعي أن جميعهم تكلم فيه ؛ بل بعضهم ، وحينئذ يكون خطأ من أخطأ منهم في تأويله ، خطأ اجتهاديا وهو مرفوع كما في أحكام الفروع .

--> ( 1 ) الحميدي صاحب ابن عيينة ، وهو عبد اللّه بن الزبير المكي مات بمكة سنة 219 ه - المعارف 229 . ( 2 ) هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ولد سنة 200 وتوفي سنة 279 ه وله تصانيف كثيرة في علم الحديث . تيسير الوصول إلى جامع الأصول وهو جزء من حديث صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي ذكره في باب الفتن « ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » وفي مسند ابن حنبل « من كذب على القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » 1 / 323 . 327 . ( 3 ) هو عبد الملك بن قريب من باهلة ، كان شديد التوفي لتفسير القرآن وحديث النبي ، ولم يرفع إلّا أحاديث يسيرة ، وصدوقا في غير ذلك من حديثه ، ولد سنة 123 وعمر نيفا وتسعين سنة - المعارف 236 .