سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

36

الإكسير في علم التفسير

التفاسير المتداولة بين الأمة ما لم يقله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو عرض عليه لردّه وزجر قائله ، ونعرف ذلك من اختلاف أقوال المفسرين في الحرف الواحد أو الآية الواحدة على عشرة أقوال وأكثر وأقل ، بعضها يردّ بعضها ، أو يضادّه ، أو يناقضه ، وأقلّ ما فيه أن تختلف تلك الأقوال أو بعضها بالعموم والخصوص ، وسبب ذلك ، أن ما أخذه بعض الصحابة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من التفسير ، تناقلوه فيما بينهم على حسب الإمكان ، ولعلّ بعضهم مات ولم ينقل ما عنده منه ؛ لمبادرة الموت له ، ثم تفرق الصحابة رضي اللّه عنهم بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البلاد ، ونقلوا ما علموه من التفسير إلى تابعيهم ، وليس كل صحابي علم تفسير جميع القرآن ؛ بل بعضه ؛ إذ الجامعون للقرآن على عهده صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا نفرا معدودين ، وشرذمة قليلين ، فألقى الصحابي ذلك البعض إلى تابعه ، ولعل ذلك التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير ، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه ، فاقتصر عليه ، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده ؛ استنباطا من اللغة تارة . ومن السنة تارة ثانية ، ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة ، ومن مدارك أخر رآها صالحة لأخذ التفسير منها : كالتاريخ ، وأيام الأمم الخالية ، والقضايا الإسرائيليات ونحوها ، فاتسع الخرق ، وكثر الدخل في التفسير ، حتى آل الأمر إلى الأقوال الكثيرة ، فتفعل كل طبقة من المفسرين كفعل التي قبلها ، من زيادة الوجوه ، والأقوال ، والاختيارات ، كما نراهم يصرحون به في تفاسيرهم ، وينسبون الأقوال إلى آرائهم ومذاهبهم ، وهذا بعينه هو كان السبب في اختلاف مذاهب الفقهاء رحمهم اللّه : أعني تفرق الصحابة في البلاد ، واختصاص بعضهم بما ليس عند غيره من ناسخ أو منسوخ ، أو زيادة في حكم من تقييد مطلق ، أو تخصيص عام ، ونحوه ، فأفتى كل منهم بما انتهى إليه علمه ، ثم انضم إلى ذلك اختلافهم في تأويل الكتاب والسنة بحسب ما فهموه من اختلاف اللغات ، والقرائن ، والأحوال ، ثم تلقى ذلك عنهم التابعون رحمهم اللّه ، [ اختلاف مذاهب الفقهاء وسبب الخلاف : ] فمن بعدهم - فلا جرم - كثر الخلاف جدا كما حكى عبد الوارث بن سعيد « 1 » قال : قدمت مكة فوجدت بها أبا

--> ( 1 ) عبد الوارث بن سعيد يعرف بالتنوري ، ويكنى أبا عبيده مولى لبني العنبر من بني تميم وهو من أصحاب الحديث توفي بالبصرة سنة 180 ه - المعارف 223 .