سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
35
الإكسير في علم التفسير
صحيحان يحصل بهما تمييز الطاعة من العصيان ، والكفر من الإيمان ، وهذا من خرج الجواب عن بقية سؤالك . الثالث : لعله تعالى جعل إنزال هذا القسم شركا من أشراك الضلال ، يوقع فيه من يعترض عليه به ، مثل هذا السائل الذي وظيفته الانقياد والتسليم لأمر مولاه الذي لا يسأل عما يفعل ، وقد وقع ذلك منه بإخباره الصادق عن نفسه حيث يقول : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا « 1 » فجعل منّه على المستضعفين سبيا لإضلال المعترضين المكذبين ، وكذلك قوله تعالى : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ « 2 » . الرابع : لو فرضنا أن ليس في إنزاله حكمة تظهر لنا ، لكن يجب حمله على حكمة خفيت عنا ، لقيام الدليل على حكمته تعالى ، وأنه لا يفعل شيئا عبثا لا لحكمة ، ولو ذهب ذاهب إلى إنكار الحكمة في كل فعل لم تظهر له حكمته ، لكان حينئذ مدّعيا مساواة اللّه تعالى في علمه ، ومشاركته في معلوماته ، ودعوى ذلك كفر ، هذا كله إن قلنا : إن أفعال اللّه تعالى معللة ، وإن قلنا : إنها لا تعلل استرحنا من الجواب عن هذا السؤال أصلا ، إذا ثبت هذا وأن في القرآن ما يحتاج إلى التفسير ، فاعلم أنه قد ثبت عن ابن مسعود « 3 » رضي اللّه عنه أنه قال : كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها ، وهذا نقل عن الصحابة رضي اللّه عنهم ، وظاهره أنهم كانوا يأخذون ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع احتمال أنهم كانوا يأخذونه عن غيره من الصحابة ، أو عنه عليه السلام وعن غيره ، فإنه كان على عهده صلّى اللّه عليه وسلّم من يؤخذ عنه العلم ويفتي من الصحابة رضوان اللّه عليهم ، وأشد الأحوال ما ادعيناه : أنهم كانوا يأخذونه عنه عليه السلام ، وأنه لم يمت حتى أخذ عنه تفسير القرآن حرفا حرفا ، [ اختلاف أقوال المفسرين في الآية الواحدة وسبب الاختلاف : ] لكن مع ذلك فإنا نجزم أن في
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 53 . ( 2 ) سورة الحج آية 53 . ( 3 ) يكنى أبا عبد الرحمن ، شهد مع الرسول عليه السلام بدرا وبيعة الرضوان وجميع المشاهد وكان على قضاء الكوفة وبيت مالها في عهد عمر وصدرا من خلافة عثمان وتوفى بالمدينة سنة 22 ه ودفن بالبقيع . المعارف 109 الطبعة الأولى .