سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
34
الإكسير في علم التفسير
أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ « 1 » . أو لغرابة في اللفظ نحو ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً « 2 » ، ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ « 3 » ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ « 4 » وهو المحتاج إلى التفسير . فإن قلت ما فائدة ورود هذه الأقسام التي يحتاج بعض قرّائها إلى التفسير في القرآن ، وهو إنما ترك لتكليف الخلق بالعمل بمضمونه ، وقد كان إنزاله جميعه متضحا عريا عن الإشكال والإجمال - كالقسم الأول - ، أحرى أن تبادر الأفهام إلى معناه ، فتبادر القلوب والأبدان إلى امتثال مقتضاه ؟ . قلت : فائدته من وجوه : أحدها : أن القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم ، وهي مشتملة على القسمين : أعني المتضح وغيره ، وكلاهما عندهم بليغ حسن في موضعه كما سيأتي في القسم الثالث إن شاء اللّه تعالى ، فلو خلا القرآن من أحدهما ، لكان مقصرا عن رتبة اللغة . فلا يصلح إذن للإعجاز . الثاني : أنه تعالى أنزل المتضح ؛ ليتعبد المكلفون بالعمل به بادئ الرأي : أعني على الفور من غير احتياج إلى نظر ، وأنزل غير المتضح الذي يمكن التوصل إلى معرفة معناه بالنظر ؛ ليتعبد العلماء بالاجتهاد في استخراج معناه ، والمقلدون لهم بتقليدهم فيه ، وتلقينهم له عنهم بالقبول ، فيعظم أجر الفريقين ما دام تعبدهم به ، وأنزل ما استند بتأويله كالمتشابه ؛ ليتعبد الجميع بالإيمان ، ولهذا أثنى على المؤمنين به بقوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا « 5 » على ما قررناه في كتاب بغية السائل « 6 » ، وحينئذ لا تنافي بين هذا وبين قولك : إنما أنزل ؛ لتكليف الخلق بالعمل بمضمونه ؛ لأن العمل بمضمون المفهوم منه ، والإيمان بغير المفهوم منه ، تعبدان
--> ( 1 ) سورة المائدة آية 116 . ( 2 ) سورة هود آية 77 . ( 3 ) سورة الذاريات آية 59 ، والذنوب : النصيب ، وأصله الدلو العظيمة فيها الماء . انظر غريب القرآن 94 . ( 4 ) سورة المدثر 51 قسورة : الأسد ، فعولة من القسر وهو القهر . ( 5 ) سورة آل عمران آية 7 . ( 6 ) اسم الكتاب : « بغية السائل في أمهات المسائل » للمؤلف .