سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

311

الإكسير في علم التفسير

النوع الخامس والعشرون : الاستدراج وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر . فمنه قول إبراهيم عليه السلام لأبيه : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً . يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا . يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا . يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا « 1 » . فطلب منه أولا العلة ، والدليل على استحقاق آلهته العبادة ، وضمن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها ، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر ، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئا ، وأنت جدير أن لا تعبده ، ثم ارتفع عن ذلك يسيرا ، فقال : « إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني » . ولم يصرح له بالتجهيل تأدبا وتلطفا ، ثم ارتفع عن ذلك قليلا ، فقال : « لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيّا » . فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوك ، ولكن لشدة إخلاص إبراهيم ومناصحته لربه ، اقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن ، ولم يلتفت إلى عدوانه لأبيه ، ثم ارتفع قليلا فتوعده بالعذاب غير مصرح ، بل قال : « إني أخاف أن يمسّك عذاب الرحمن » . هذا مع تصديره كل جملة من الكلام بقوله : « يا أبت » تقرّبا إلى قلبه ، واستعطافا له ، فكان جوابه له أن قالَ : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا « 2 » . فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارا عنيفا لتقديمه الخبر على المبتدأ ، وسمّاه باسمه ، ولم يقل له : يا بني ، كما قال له : يا أبت ، وتوعّده بالرّجم توعّدا مؤكدا لا تعريضا ، كما قال هو له « إني أخاف أن يمسّك » وأمره بهجرانه مليّا ؛ إظهارا لتبرئه منه ، وجفوته له ، وكراهة ما جاء به ، وهذا ضد الاستدراج .

--> ( 1 ) سورة مريم آية 42 - 45 ( 2 ) سورة مريم آية 46 .