سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
306
الإكسير في علم التفسير
مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ « 1 » أمر هما بتأكيد إخبار فرعون برسالتهما ؛ ليكون ذلك أوقع في نفسه ولم يأمرهما بتأكيد أمره بإرسال بني إسرائيل ، بل أن يخرجا له الأمر في صورة السؤال ؛ لئلا يستكبر وتأخذه العزة بالإثم ، ويقول : أمرتماني أمرا لازما جازما كأني معكما من آحاد الرعية ، فيصر ويمتنع ويدل على هذا قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً « 2 » وعدم تأكيد الأمر ، لميله من لين القول . النوع الثالث والعشرون : في ورود الكلام بلام التأكيد لأمر يعز وجوده ، وفعل يعظم إحداثه كقوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ إلى قوله : لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً « 3 » . وقال في الماء : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً « 4 » بغير لام . والفرق بينهما : أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما ؛ إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا ، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد . بخلاف جعل الحرث حطاما ، فإنه على خلاف العادة ، فاحتاج التوعد به إلى تأكيد . وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بالعصا ، لم يحتج إلى تأكيد بيمين ولا غيرها ، لجريان العادة واطرادها بذلك . وإذا توعده بالقتل بالكلية ، احتاج إلى تأكيد عنده ؛ لندوره وعدم اطراد العادة به . وأيضا فلم جعل الحرث حطاما ؟ قلت للمادة والصورة . وجعل الماء العذب أجاجا ؟ قلت للكيفية فقط ، فهو أسهل وأيسر ، وهو راجع إلى ما سبق .
--> ( 1 ) سورة الشعراء آية 16 ، 17 . ( 2 ) سورة طه آية 44 . ( 3 ) سورة الواقعة آية 63 - 65 . ( 4 ) سورة الواقعة آية 70 .