سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

307

الإكسير في علم التفسير

ومن هذا الباب سؤال اشتهر لكثرة دورانه بين كثير من الناس ، وتقريره : ما وجه تأكيد الإخبار بالموت ، باللام ، دون الإخبار بالبعث في قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ « 1 » . وقد كان العكس أولى وأنسب ؟ إذ البعث مختلف فيه ، وهو أحوج إلى التأكيد ، بخلاف الموت ، فإنه لمشاهدته وتحققه عند كل أحد مستغن عن التأكيد ، ولقد سئلت عن هذا مرارا فلم يخطر لي « 2 » ما يكافئه ، ولم أسمع ممن سئل عنه أيضا له جوابا مكافئا ، غير أجوبة لفظية لا طائل تحتها . وأصل هذا السؤال فيما نقلت عن كثير من الزنادقة الطاعنين في القرآن ، ثم بعد النظر والتأمل خطر لي جوابان : معنوي ولفظي . أما الأول : المعنوي ، فتقريره : أن المكلفين لم يسمعوا هذا الكلام ولا غيره من القرآن من اللّه تعالى ، ولا من جبريل عليه السلام وإنما سمعوه من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحينئذ نقول : إن إخبار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الكلام المتضمن لوقوع البعث ، إما أن يكون لمن قد آمن به وصدقه في أنه رسول معصوم ، أو لمن كذبه في ذلك ، ولم يصدقه ، فإن كان إخباره بذلك لمن صدقه ، كأبي بكر مثلا ، لم يحتج في تصديقه بالبعث إلى التأكيد باللام ولا غيرها . وإن كان لمن كذبه كأبي جهل مثلا ، فإنه لا يصدق بالبعث ، ولو أكد بجميع أدوات التأكيد ، وحينئذ لا يظهر لتأكده أثر طردا ولا عكسا ، إثباتا ولا نفيا ، فالسؤال إذن ساقط من أصله ، أو غير وارد . فإن قلت : لا نسلم الحصر فيما ذكرت ؛ لجواز أن يخبر بذلك من ليس مصدقا له ولا مكذبا ، بل هو في مهلة النظر والتروي في أمره : هل هو صادق ، أو لا ؟ ، وحينئذ كان ينبغي تأكد البعث ؛ ليكون أدعى لهذا الشخص إلى التصديق والانقياد .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون آية 16 . ( 2 ) في الأصل : فلم يخطر له . وهو لا يتمشى مع السياق .