سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

273

الإكسير في علم التفسير

ومن هذا الفرع تكرير قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ « 1 » في سورة الشعراء مرارا ؛ إذ اللفظ ومعناه فيهن متحد ، والمقصود متعدد : إهلاك كل واحد من تلك القرون ، آية للكفار غير الآية الحاصلة بإهلاك الفريق الآخر . الفرع الثاني : وهو أن يراد بالمكرر معنى واحد لغرض واحد . فمنه قوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ « 2 » . أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ « 3 » وهذا يحسن عند طول الفصل بين المكررين ؛ تطرية لسمع السامع مع التأكيد ، وهو في السنة واقع كثيرا . ومنه : وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ « 4 » قال ابن الأثير « 5 » : فتكرير « من قبله » يدل على بعد عهدهم بالمطر وتطاوله ، فاشتد لذلك يأسهم ، فكان استبشارهم بالمطر على قدر اغتمامهم لانقطاعه . قلت : هذا الذي ذكره لا شك أنه مستفاد من الكلام ، لا من تكرير لفظ القبليّة فإنه لا يفيده البتة ، بل هو من قرينة الاستبشار والإبلاس ؛ لأن الناس إنما يستبشرون غالبا بقدوم ما طالبت غيبته ، ولا يبلسون وييأسون إلا من مثل ذلك . فيقال : استبشر زيد بقدوم أخيه من مكة ، ونحوها ، ولا يقولون : استبشر بقدومه من المسجد أو السوق ، وييأس منه إذا طالت غيبته ، لا إذا قصرت ، ولهذا إذا مرت على المفقود لغيبة ليس ظاهرها الهلاك ، تسعون سنة ، قسم ميراثه ونكحت امرأته ؛ للإياس منه ، ولا يجوز قبل ذلك .

--> ( 1 ) سورة الشعراء الآية 8 ، 9 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 188 . ( 3 ) سورة المؤمنون آية 35 . ( 4 ) سورة الروم آية 49 . ( 5 ) الجامع الكبير ص 206