سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

272

الإكسير في علم التفسير

تَعْبُدُونَ من آلهتكم وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ في المستقبل ما أَعْبُدُ ويكون هذا إخبارا لهم بدوامهم على الكفر مثل : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 1 » . فإن قلت : فقد أخبر بهذا من أسلم بعد ذلك ، فما صح الإخبار ، فلا يكون هذا إخبارا كما ذكرت . قلت : هذه الدعوى تحتاج إلى نقل ، ونحن نمنعه ، والأصل عدمه ، ولئن ثبت ، كان ذلك تخصيصا ، وتبين أن المراد بالإخبار من لم يسلم كقوله : « ولن تفعلوا » فإن السؤال وارد فيها أيضا ، ثم قال : « ولا أنا عابد » في الحال « ما عبدتم . ولا أنتم عابدون » في الحال « ما أعبد » حالا واستقبالا ، ويكون هذا إخبارا له باستمراره على عبادة اللّه تعالى ، فحاصل هذا : قل لهم : أي لا أوافقكم ولا توافقونني لا حالا ولا استقبالا وهو قريب من معنى قوله : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ « 2 » . وقال ابن الأثير « 3 » : « ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد » معناه : لم نعهد منكم في الماضي عبادة ما أنا عابده الآن ، ولا متى في الماضي عبادة ما أنتم عابدون الآن ، فكيف أعبد في الإسلام شيئا لم أعبده في الجاهلية ، وهذا قريب يحتمل ؛ لأن دلالة اللفظ قاصرة عنه لوجهين : أحدهما : أنه قال : « ولا أنا عابد . ولا أنتم عابدون » ، ولم يقل : ما كنت عابدا ولا كنتم عابدين ، فلا يفيد « 4 » المضي صيغة أو قرينة ولا واحد منهما . الثاني : أن اسم الفاعل وهو : عابد وعابدون أظهر في الدلالة على الحال منه على المضي خصوصا وهو منون .

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 24 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 145 . ( 3 ) الجامع الكبير 205 . ( 4 ) في الأصل : وإنما يفيد المضي . وهو لا يتمشى مع الغرض المراد