سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

248

الإكسير في علم التفسير

يسوؤهم ، كما أخبر عنهم بقوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ « 1 » فقدم ذكرهن ؛ تنبيها على أنه قادر ، ولما يشاء فاعل ، وأن إرادتهم لا تأثير لها ، ثم لما أخر الذكور ومن حقهم التقديم ، تدارك أمرهم بجبر نقصهم ، فعرفهم ؛ لأن التعريف أفضل من التنكير ؛ تنبيها على أن تقديم الإناث للعارض المذكور ، لا لاستحقاقهن التقديم ، فلما رجح المرجوح من جهة جبر الراجح من جهة ، ثم أعطى بعد ذلك كل ذي حق حقه لزوال المانع بقوله : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً « 2 » ثم قد علمت أنه في هذه الآية قدم ذكر السماوات على الأرض ؛ لأن ملك السماء أعظم ؛ فتقديمه أدل على العظمة والقدرة والملكة . وكذلك قدمها في سورة سبأ في قوله : عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ « 3 » لأن معلومات السماء أدق وأكثر ، وهو أبلغ في الدلالة على كمال العلم . وقال في يونس : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ « 4 » ، فقدم الأرض ؛ لأنه صدر الآية بذكر أهل الأرض ، ومن أمعن النظر ، وجد لكل تقديم وتأخير في القرآن مقتضيا مناسبا ، ولابن الدهان « 5 » في ذلك كتاب كبير حسن ، وفيما ذكرناه تنبيه على ما أهملناه . النوع الثالث عشر : في التخلص والاقتضاب أما التخلص : فهو الانفصال من شيء إلى غيره ، والمراد به هنا ، خروج المتكلم من

--> ( 1 ) سورة النحل الآية 58 . ( 2 ) سورة الشورى الآية 50 . ( 3 ) سورة سبأ الآية 3 . ( 4 ) سورة يونس الآية 61 . ( 5 ) هو محمد بن علي عمر المازني الدهان ، كان يعمل في صناعة الدهان وينظم الشعر الرقيق ويلحنه ، توفي 721 ه . فوات الوفيات لا بن شاكر 2 / 249 .