سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

229

الإكسير في علم التفسير

إلا « أصبح ، وأمسى ، ورأيت » فإن إثبات الواو فيها سهل ؛ لأنهنّ توامّ « 1 » في حال نحو : ما أمسى أو أصبح أحد إلا وهو قائم . وإلا ليس ، نحو : ليس أحد إلا وهو قائم ؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بها ، وباسم نكرة نحو : ليس أحد ، وكذلك كان التامة . وكأن الضابط في هذا : أن ما كان متعلقا بشيئين لا يجوز اعتراض الواو بينهما ، وهذا الذي ذكره حسن ، وأنا أتكلم في وجه اختصاص آية الحجر بالواو ، وسقوطها في الشعراء ، فأقول ؛ لما كان الكتاب المعلوم لإهلاك القرية متقدّما سابقا على وجودها ، إذ المراد به : إما الأجل المعلوم ، أو تعلق علم اللّه تعالى بإهلاكهم ، وكلاهما متقدم ، والرسول المنذر لها وجوده مقارن لا سابق ، ناسب ذلك اقتران الواو بالآية الأولى : تنبيها على سبق الكتاب بإهلاكهم ، وسقوطها من الثانية ؛ تنبيها على مقارنة الرسول لهم . فإن قلت : فلم لم يستو الإتيان جميعا في التنبيه على سبق الكتاب ، أو على مقارنة الرسول ؟ قلت : لأن معنى كل واحدة منهما مناسب لما قبلها ، فاختصت به تحصيلا للمناسبة : أما آية الحجر ؛ فلأنها بعد قوله تعالى : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 2 » كأنه قال : « لننتقمنّ منهم ولنهلكنّهم ، لكن لهم أجل معلوم سابق في علمنا ، فإذا استوفوه أتاهم عذابنا ؛ لأن ما ثبت في علمنا لا يتقدم ولا يتأخر » . وأما آية الشعراء ؛ فلأنها جاءت تعدد ذكر قصص الأمم وإهلاكهم ، فكأنه أكد تصريح هذه الآية مضمون القصص ، فقال : إنّا لم نظلم هؤلاء الذين أهلكناهم ؛ لأنّا لم نهلكهم إلا بعد الإعذار والإنذار ، وكذلك دأبنا في جميع القرى ، لا نهلك قرية ولا أهلكناها إلا بعد إنذارها وكفرها واستكبارها .

--> ( 1 ) توام : جمع تامة . ( 2 ) سورة الحجر آية 3 .