سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
195
الإكسير في علم التفسير
والكلام في المستقبل كالماضي نحو « ما أضرب زيدا ، أو ما أنا أضرب زيدا ، وما أنا ضارب زيدا » وأما إذا كان الكلام عاما ، فإن تقدم حرف النفي أداة العموم سمي : سلب العموم ، وإن تأخر عنها ، سمي : عموم السلب . مثال الأول « ما كل كذا فعلته » فقد سلبت عموم فعلك لكذا ، وهذا لا يناقضه إثبات الخاص نحو « بل فعلت بعضه » . ومثال الثاني : كل كذا ما فعلته » فقد عممت سلب فعلك له ، فيناقضه إثبات الخاص ، نحو : بل فعلت بعضه ، وهو تناقض ، كقولك « كل العلم لم أعلم منه شيئا » أو لم أعلمه ، بل علمت بعضه ، وقول أبي النجم : قد أصبحت أم الخيار تدّعي * عليّ ذنبا كلّه لم أصنع « 1 » يوضح ذلك بأنك إن نصبت ( كلّه ) اقتضى سلب عموم صنيع الذنب ، أي : فعلت بعضه ، لا كله ؛ لوقوع كلّ مفعولا ، وعدم الابتداء في التقدير « 2 » ، وإن رفعته ، اقتضى عموم سلب صنيع الذنب ، أي : أني لم أصنع منه شيئا ، لوقوع ( كلّ ) مبتدأ ؛ إذ شأن حرف السلب ، سلب ما بعده عما قبله ، أو سلب ما قبله عما بعده . ومنها : إنما ، والكلام فيها في أمرين . أحدهما : أنها تقتضي الحصر عند الأكثرين ، وخالف قوم : احتج الأولون بفهم ابن عباس في انحصار الربا في النسيئة من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إنما الربا في النسيئة » « 3 » وبأن المفهوم لغة من « إنما في الدار زيد » أن ليس فيها سواه وبأن إنّ للإثبات ولا للنفي ، فاقتضيا مجتمعين ما اقتضيا منفردين ، وليس مقتضى ذلك نفي المذكور ، وإثبات ما عداه إجماعا ، فتعين عكسه ، وهو المراد بالحصر . وأجيب عن الأول : بأن ابن عباس فهم الحصر من استصحاب النفي الأصلي ، لا من « إنما » ولو لم يكن إلا احتمال ذلك ، لقدح في الدعوى .
--> ( 1 ) وهو من أرجوزة لأبي النجم العجلي وانظر الكتاب 1 / 44 ، وفي الأصل : قد جعلت أم الخيار تدعى . ( 2 ) في الأصل : بعدم في التقدير وهو تحريف من الناسخ . ( 3 ) حديث مروي عن أسامة بن زيد ، صحيح مسلم 5 / 50 ط صبيح .