سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

190

الإكسير في علم التفسير

وكذلك وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 1 » قدم المفعول ، وهو « مما رزقناهم » لئلا يتوهم بتقدير تأخيره جواز الإنفاق مما ليس بمملوك لهم . لا يقال : أي حاجة إلى هذا الاحتراز مع اتفاق العقل ، وقواعد الشرع ، على المنع من التصرف في غير الملك ؟ لأنا نقول : الكلام ينبغي أن يكون مفيدا بليغا لذاته ، لا بالنظر إلى دليل خارج ، فنحن استفدنا هذا المعنى من هذا اللفظ ، والأدلة الخارجة عنه مؤكدات له . ونعني بالاختصاص : اختصاص المفعول بالفعل المتعقب له ، وتقريره : أنك لو قدمت الفعل في « زيدا ضربت » مثلا ، فقلت : « ضربت » لبقي السامع مترددا في عين المفعول ، لا يعلمها حتى تفرغ من التلفظ بالفعل ، ثم تصرح به ، ولكنت مخيرا قبل تمام التلفظ بالفعل في إيقاعه على من شئت . وإذا قدمت المفعول ، علم السامع عينه بمجرد ذكره قبل ذكر الفعل ، وامتنع اختيارك في الإيقاع إلا عليه ، لتعين الفعل له بتقديمه ، وهذا هو المراد بالاختصاص . فإن قلت : هذا تدقيق لا طائل تحته من وجهين : أحدهما : أن الفعل متصل بالمفعول عادة ، وزمن التلفظ بهما يسير جدا لا يتسع لتردد السامع ، وإن اتسع له ، فإنه يزول سريعا بذكر المفعول على الفور . الثاني : أن الزمن المذكور لا يتسع لتحير المتكلم في الإيقاع على من شاء ، ولأن اللفظ ترجمان المعنى النفساني ، ومحال أن يتصور المتكلم في نفسه معنى « ضربت زيدا » ثم يعدل في اللفظ إلى « ضربت عمرا » أو غيره . قلت : الجواب عن الأول : إن حصول التردد للسامع في المفعول بتقدير تقديم الفعل مما لا يراع فيه ؛ إذ هو مدرك حسّا ، ولا شك في أن عدم هذا التردد أولى من وجوده ، وإن قل زمنه ، وإلا لاختلّت بلاغة الكلام كما سبق قوله . وإن اتسع له فإنه يزول على الفور بذكر المفعول ضعيف ؛ إذ قد يعترض بين الفعل والمفعول كلام كثير ، فيطول زمن التردد ، أو يعرض للمتكلم ما يمنعه عن ذكره من عطاس ، أو سعال ، أو

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 3 .