سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
191
الإكسير في علم التفسير
شكاة ، أو سبات ، أو مرض ، أو غير ذلك يمنعه من ذكره فيدوم التردد ، وتحتل لدوامه بلاغة الكلام المطلوب . والجواب عن الثاني : أن عدم اتساع الزمن لتخيير المتكلم ممنوع ، لجواز الاعتراض أو سرعة الخاطر المقتضي للاعتراض ، وكون اللفظ ترجمان المعنى النفسي مسلم ، لكن لم قلت إن العدول عن ذلك المعنى المتصور في النفس إلى غيره محال ، وظاهر أنه ليس كذلك ؛ لجواز أن يقوم بنفسه معنى يريد الإخبار به على فقه ، فيخطر له أن عليه فيه ضررا فيعدل إلى غيره مما لا يرى أن عليه فيه ضررا . مثاله : لو دخل رجل دار قوم ، فأخذ درّة ، ثم خرج ، فسألوه ، ما أخذت من دارنا ؟ فعزم على أن يصدق ، ويقول : أخذت درة ، فخطر له قبل تمام لفظة « أخذت » أنه إن أعرف بأخذ الدرة ، ربما توجه عليه القطع ، فعدل إلى الاعتراف مما لا قطع فيه ، فقال : أخذت بيضة ، أو حبلا ، أو إبرة ، أو درهمين ، أو ثمن دينار ، ونحو ذلك . ومن نظر إلى اصطلاح العرب بعين التحقيق ، علم أن لهم فهما أبلغ من هذا التدقيق ، ولهذا قال بعض العلماء : يشترط لصحة الاستثناء أن تنويه قبل تكميل المستثنى منه ، وكذلك سائر التوابع كالشرط الملحق ، والعطف المعتبر ونحوه ، يشترط نيته قبل تكميل متبرعه . ولقائل أن يقول : كما أن تقديم المفعول يفيد اختصاصه ، والمنع من العدول عنه بتأخيره ، كذلك الفعل ، فإنه يجوز أن يعدل عن « ضربت زيدا » إلى « ضربت عمرا » ، كذلك يجوز أن يعدل عن « زيدا ضربت » إلى زيدا أكرمت » . وهذا يحتاج إلى جواب واضح في هذا المكان ، لأنه قاعدة كلية في الباب ، وقد يستشكله بعض ذوي الألباب واللّه أعلم . ومنها : تقديم خبر المبتدأ عليه ، نحو : « قائم زيد » إذا كان الأهم الإخبار بقيامه . فلو قيل : « زيد قائم » لحصل التردد للسامع ما لم يسمع لفظ قائم فيما بخير به عن زيد . هل هو جالس أو قاعد أو غير ذلك ، وكان المتكلم بالخيار فيما يخبر به من ذلك . ويعدل إليه كما تقدم في « ضربت زيدا » ومن هذا قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ « 1 » ففي تقديم الخبر : وهو مانعتهم إخبار بأمرين مهمين :
--> ( 1 ) سورة الحشر آية 2 .