سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
151
الإكسير في علم التفسير
والحق أن هذا مجاز ، وليس استعارة ؛ إذ لا تشبيه فيه . السادس : الاستعارة نوعان : جيد يجب استعماله ، وتوخيه ما أمكن . ورديء يجب اجتنابه ما أمكن . أما الأول : وهو ما اشتد الامتزاج والتناسب والتشابه فيه بين المستعار له ، والمستعار منه . ومنه قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » فإن المناسبة بين ابيضاض الرأس بالشيب ، واشتعال النار في الحطب شديدة ، من جهة سرعة الالتهاب والانتشار شيئا فشيئا ، وإحالة ما انتشر فيه عن صفته قبل ذلك ، وتعذر التلافي ، وعظم الألم ، وتعقب الجمود والخفوت . وقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ « 2 » فإن انفصال الليل عن النهار ، لما كان شيئا فشيئا تدريجيا ، وكانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل ، استعار لذلك لفظ السلخ الدال على تفاصل المتلاحمين شيئا فشيئا ، كما في جلد الحيوان المسلوخ ، وهذه الاستعارة في أعلى المراتب في بابها . ومما دونها في الطبقة قول أبي تمام « 3 » : ومعرّس للغيث تخفق بينه * رايات كلّ دجنّة وطفاء فاستعار لفظ المعرّس - وهو موضع التعريس - لموضع وقوع الغيث ، ولفظ خفوق الراية - وهو اضطرابها - لهبوب السحابة عند همولها وانصبابها ، لا سيما الوطفاء : وهي القريبة من الأرض ، ولفظ الراية لهدب السحابة : وهو المتدلّي منها ،
--> ( 1 ) سورة مريم 4 . ( 2 ) سورة يس آية 37 . ( 3 ) من قصيدة يمدح بها محمد بن حسان الضبي ومطلعها : قدك اتئب أربيت في الغلواء * كم تعذلون وأنتم سجرائي ديوان 1 / 22 والتعريس النزول في آخر الليل