سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
146
الإكسير في علم التفسير
ويظهر لي أنه سمي بليغا ؛ لكونه يبلغ السامع أقصى ما يريد به من المعنى ، وقوله تعالى : وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً « 1 » ظاهر فيه ؛ إذ المراد : قل لهم قولا يبلغهم ويفهمهم المعنى المراد به ، وهو محتمل للتفسيرين قبله . الثاني : موضوع علم الفصاحة : الألفاظ الدالة على معانيها إحدى الدلالات الثلاث ، أعني : المطابقة ، والتضمن ، والالتزام . وموضوع البلاغة : الكلام الفصيح ، ومعناه ، فهي إذن أخص ؛ لأن متعلقاتها : اللفظ والمعنى ، ومتعلق الفصاحة : اللفظ فقط ، فإذن كل كلام بليغ فصيح ، وليس كل كلام فصيح بليغا ؛ لجواز خلوص ألفاظه من التعقيد ، مع قصور دلالته ، أو زيادته على معناه ، وهذا على تفسير ابن الأثير للبلاغة « 2 » . أما التفسيران الأخيران وكل منها أخص من الآخر من وجه لجواز خلوص اللفظ مع قصور الدلالة ، أو تمام الدلالة مع تعقيد اللفظ . الثالث : الفصاحة معنى إضافي ، يختلف باختلاف الإضافات ، كالحسن والقبح المختلفين باختلاف الأزمنة والأمكنة ، والطباع ، بدليل أن ما كانت العرب العاربة تعده من الكلام فصيحا ، لخلوصه من التعقيد بالنسبة إليهم ، نعده نحن الآن غير فصيح ؛ لتعقده بالنسبة إلينا ، كما سبق في كون اللفظ وحسنه . وكذلك البلاغة ؛ لاشتراط الفصاحة فيها ، وشروط الإضافي إضافي ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) سورة النساء آية 63 . ( 2 ) المثل السائر 1 / 118 ، 119 .