سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
100
الإكسير في علم التفسير
فإن قلت : قد أجزتم التجوز باسم الشيء عن ضده ، فلو سمي المعلوم مجهولا ، وبالعكس ، كان ذلك مجازا في الأسماء العامة ، وقد أنكرتموه . قلت : ما ذكرناه من التجوز باسم الشيء عن ضده صحيح ، لكن قد ذكرنا أن التجاوز لا يطرد ، فلا يلزم ما ذكرت . وفي هذا الجواب نظر بناء على المختار في البحث بعده . الثالث : متى وجدت أركان المجاز ، وهي : اللفظان ، والعلاقة ، جاز إطلاقه ، واستعماله من غير افتقار إلى نقله عن أهل اللسان على أظهر القولين فيه ، كالقياس ، والاشتقاق ، وقد سبق هذا البحث . الرابع : قد اشتهر غلبة بعض المجازات على حقائقها ، يعني : أنها صارت أبلغ في الإفهام ، وأسبق إلى الأفهام ، نحو قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ « 1 » إذ هو أبلغ وأظهر وأخص من انتشر ؛ لتضمنه تشبيه الليل بالجسد الكثيف المظلم ، والصبح بظهور النفس اللطيف المشرق ؛ لصدوره عن النفس المشرقة عقلا ، وأيضا تشبيه انتشار الصبح شيئا فشيئا بظهور النفس كذلك . واعلم أنه إنما يعدل إلى المجاز للاتساع والتشبيه والتوكيد « 2 » ، نحو : وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ « 3 » فاتسع بزيادة الرحمة في أسماء الجهات وشبهها بالمظروفات وأكد بتصييره ما لا يدرك حسا ، مدركا به ، كقول القائل « لو تشخص المعروف لرأيتموه حسنا » « ولو تشخص المنكر لرأيتموه قبيحا » فمتى عدمت هذه الأوصاف تعينت الحقيقة ؛ لأصالتها ، وعدم الفائدة في العدول عنها . الخامس : إذا كثر المجاز لحق بالحقيقة في اشتهاره ، حتى تخفى حاله ، فلا يظهر إلا
--> ( 1 ) سورة التكوير آية 18 والآية التي قبلها : « واللّيل إذا عسعس » . ( 2 ) في الأصل : يعدل إلى المجاز للاتساع أو التشبيه أو التوكيد وهو خطأ ، إذ لا بد من استيفاء هذه المعاني الثلاثة . انظر الخصائص لابن جني 2 / 442 . ( 3 ) سورة الأنبياء آية 75 .