البخاري

تصدير 82

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

وحاشاه أن تتولّد هذه الشجاعة فيه عن حسد ، أو يكون مدفوعا إليها بشهوة نفس صغيرة تهوى إيلام غيرها وإلحاق النقص به ، فما هو إلّا إحقاق الحقّ وتدارك الخطأ بالصواب قبل أن يفوت الأوان ، ولقد كان - رحمه اللّه - نبيل الشعور ، مرهف الحس في معاملة الناس ، وتجلّى ذلك في خلق آخر من أخلاقه السامية ، وهو عفّة لسانه وضميره ، فما جرح أحدا بكلمة ، ولا آذى إنسانا بقول أو عمل ، بل كان شديد التوقّى من كل ما يظنه ماسّا بكرامة غيره ، حتى ما يكون من حديث النفس أو ما يلابسها من انفعال باطن يكون مؤلما لو ظهر وعلن ، فإنه يحاسب نفسه عليه ، ولا يهدأ بالا حتّى يعتذر عنه ، ويستحلّ منه ، وقد روى وراقه محمّد بن أبي حاتم قال : « سمعته يقول لأبى معشر الضرير : اجعلني في حل يا أبا معشر ، فقال : من أي شيء ؟ فقال : رويت حديثا يوما ، فنظرت إليك - وقد أعجبت به ، وأنت تحرك رأسك ويديك - فتبسمت من ذلك ، فقال : أنت في حل - يرحمك اللّه - يا أبا عبد اللّه » ( هدى الساري 2 - 195 ) . وهو يتصوّن لكرامة الناس في المغيب كما يتصون لها في المشهد ، فلا يستبيح أكل لحوم الغافلين ، ولا يذكر غائبا بسىء ، وقد سمعه محمّد بن أبي حاتم يقول : « ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام » ( هدى الساري 2 - 195 ) . ولذلك كان مرتاح الضمير ، آمنا من أن يقف أمام اللّه خصيما لإنسان ، فيسمعه بكر بن منير يقول : « إني لأرجو أن ألقى اللّه ولا يحاسبنى أنى اغتبت أحدا » ( هدى الساري 2 - 195 ) .