البخاري
تصدير 83
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ويقول محمّد بن أبي حاتم : سمعته يقول : « لا يكون لي خصم في الآخرة » ، فقلت : إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ - يعنى الكتاب - يقولون : إن فيه اغتياب الناس ، فقال : إنّما روينا ذلك رواية ، ولم نقله من عند أنفسنا ، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « بئس أخو العشيرة » ( هدى الساري 2 - 195 ) . وقد كان لانطباعه على عفّة اللسان أثر واضح ، يلمحه كل من تأمل كلامه في الجرح والتعديل ، فهو لا يرخى زمام قلمه لينطلق في وصف المجروحين من الرّواة بما يشاء ، ولا يسمح له بمضاهاة أقوال المؤرخين ، بل يحاذر في تعبيره ، ويستغنى بالكناية والتلميح عن الإفصاح والتصريح ، وأكثر ما يقول في الرجل المتروك أو الساقط : « سكتوا عنه ، أو فيه نظر ، أو تركوه » وقلّ أن يقول : « كذاب أو وضّاع » وإنّما يقول : « كذّبه فلان ، أو رماه فلان ، يعنى بالكذب » ( هدى الساري 2 - 195 ) . وأبلغ تضعيفه قوله في المجروح : « منكر الحديث » هذا مع أنه يقول فيما يرويه عنه ابن القطان : « كل من قلت فيه : « منكر الحديث » ، فلا تحلّ الرواية عنه ( طبقات الشافعية 2 - 224 ) . وإذا كانت عفة اللسان والضمير تمثل المظهر السلبي من تقدير البخاري للكرامة الإنسانية ، فإنه كان يتحلّى بخلق آخر من أخلاقه السامية ، يتجلّى فيه المظهر الإيجابى لهذا التقدير ، وذلك هو التسامح الكريم في معاملة الناس ، ومقابلة مسيئهم بالإحسان ، حتى ليعرض حقوقه للضياع ، ولا يعرض آكلها لتأديب السلطان ، وقد روى محمّد بن أبي حاتم قال : « كان لأبى عبد اللّه غريم قطع عليه مالا