البخاري
تصدير 69
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وثروة البخاري نفسها شاهد فيما يقول ، فقد كان عنده من العلم أضعاف ما وصلنا بكتبه ، ولا يخطر ببالنا لحظة أنّه بخل بشيء من هذا العلم على تلاميذه ، وغاية ما في الأمر أن هذا الذي وصلنا هو ما أحاطه بأسوار من ضوابط التأليف ، فأمسكه على حوافظ الرواة بمساك قوىّ يمنعه من التبدّد والشرود ، ولولا ذلك ما جاءنا منه إلّا أقل القليل ، ولهذا نرتفع بجهده في مصنّفاته وكتبه إلى قمة ما بذله من جهود ، وإن كانت جميعها من العظيم الجليل . وقد انتبه البخارىّ إلى استثمار علمه في التأليف من وقت مبكر ، وهو فيما يروى محمّد بن أبي حاتم عنه يقول : « لما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب « قضايا الصحابة والتابعين » . ثم صنفت « التاريخ » في المدينة ، عند قبر النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلم - وكنت أكتبه في الليالي المقمرة ، وقلّ اسم في التاريخ إلّا وله عندي قصة ، إلّا أنى كرهت أن يطول الكتاب « ( هدى الساري 2 - 193 ) . ومعنى هذا أنّه ابتدأ التأليف مع ابتداء عهده بالرحلة ، وأنه استفتحه بهذين الكتابين ، واستفتاحه بهما ينبئ عن دقة فكره ، وسلامة منهجه العلمي ، فموضوعهما بمثابة مدخل لا بدّ من المرور فيه قبل الاشتغال بالتحديث ، ولا غنية عن التمهيد به لكل راغب في تأليف الحديث على منهج قويم ، ولذلك ابتدأ البخاري بهذين الكتابين ، وجعلهما باكورة جهده ، ومقدّمة لما جاء بعدهما من مصنّفاته وكتبه . ولا يتعارض هذا مع ما يرويه ابن أبي حاتم أيضا من قوله : « أقمت بالمدينة بعد أن حججت سنة حردا أكتب الحديث » فالراجح عندنا