البخاري
تصدير 64
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
حتى عرفت الصحيح من السقيم ، وحتّى نظرت في كتب أهل الرأي » . ( هدى الساري 2 - 201 ) . ولكننا نأخذ ما ذهبنا إليه بالاستنتاج ، فقد كان قبل الرحيل في مستوى شيوخ بلده ، بل كان فوق هذا المستوى فيما نعتقد ، فلو كان يستعجل المشيخة ، لاستطاعها هناك ، أما وقد ارتحل ، فلا بدّ أن يكون قصده الأول ، هو التبحر قبل التصدر ، وتحصيل ما يستطيعه من زيادات الشيوخ خارج بلده ، ولكنه حمل على أن يكون أستاذا وهو تلميذ ، وهو بكل من الوصفين جدير . وأيأ ما كان الأمر فإن البخاري لم يقم ببلد إلّا كان التبادل الفكري موصولا بينه وبين أهله ، ولا ارتحل عن بلد إلّا وقد خلّف الجم الغفير من المنتفعين بعلمه ، وبذلك حقّق أستاذيّته لجمهور كبير في كل بلد دخله ، ولا نكون مسرفين إذا اعتبرنا كلّ واحد ممن لقيهم في رحلاته واحدا من تلاميذه ، حتى شيوخه وأقرانه ، فإنهم لم يكونوا في الإفادة منه بأقلّ من جماهير الطلاب ، وفيما يروى عنه أنّه قال : « ما قدمت على شيخ إلّا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعى به » ( هدى الساري 2 - 201 ) . وهذا قول حق ، والشواهد الناطقة بحقه وصدقه كثير ، فقد تنبّه الأشياخ في كل بلد إلى مواهبه الفذة ، وأدركوا سموّ قدره ، وعظيم فضله ، من غزارة علمه ، واتساع مداركه ، فلم يفتهم الانتفاع به ، وإن كان أحدث منهم سنا ، أو أقرب منهم عهدا بالطلب ، وقد أسلفنا كثيرا من الأخبار الصريحة في تتلمذ شيوخه