البخاري
تصدير 63
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وهما التدريس ، والتأليف ، ولعلنا نستطيع التعرف على مقدار ما أبلاه في كل من المجالين ، وذلك أثناء الحديث عن تلاميذه وكتبه . أما مجال التدريس فقد وفّقه اللّه فيه من عهد مبكر ، وأظهر الناس على أصالته وفضله في العلم ، فأقبلوا عليه ألوفا ألوفا ، وتحلّقوا حوله للتلقى والسماع ، وكان ذلك من أول عهده بالرحيل وهو في مطلع الشباب ، وقد قال أبو بكر بن أبي عبّاس الأعين : « كتبنا عن محمّد بن إسماعيل وهو أمرد ، على باب محمّد بن يوسف الفريابي » ويعلق الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله : « كان موت الفريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين ، وكان سن البخاري إذ ذاك نحوا من ثمانية عشر عاما ، أو دونها » . ( هدى الساري 2 - 194 ) . والواقع أن نبوغ البخاري في علمه ، كان يعلن عن فضله في كل وطن يحلّه ، ويرغب كل من يلقاه في التتلمذ عليه ، ويقيننا أن ما صادفه من ذلك كان شيئا غير متوقّع له من قبل ، فلعله حين ارتحل لم يكن يدور في ذهنه أن يتعجل الزمن ، ولا أن يتصدّى للمشيخة ، قبل أن يستوفى حظه من لقاء الشيوخ بمختلف الأمصار ، وأن يجمع من علمهم ما يريد ، ولكن نبوغه وفضله دلّا عليه الناس من أول عهده بالرحيل ، فدفع إلى مضايق المشيخة ، وهو لم يفارق بعد صفة التلميذ . وليس معنى هذا أنّه تصدّر للتدريس وهو فجّ لم يستكمل النضج فما كان لمثله في أمانته وكمال خلقه أن يجلس مجلس الشيوخ دون أن يتأهّل له ، وقد كان أهله بحق ، لأنّه ارتحل ومعه من العلم والمعرفة ذخر ثمين عرفنا قدره ، وهو نفسه يقول : « ما جلست للتحديث ،