البخاري

تصدير 62

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

ويقرر الترمذي أنّه لم ير أعلم منه بالعلل والأسانيد ، ويصرح الدارميّ بامتيازه عليه وعلى طبقته ، فيقول : « هو أعلمنا ، وأفقهنا ، وأكثرنا طلبا » . ( هدى الساري 2 - 199 ) . وخير ما نختم به هذه الشهادات قول الدارميّ أيضا فيه : « محمد ابن إسماعيل أبصر منى ، وهو أكيس خلق اللّه ، عقل عن اللّه ما أمر به ونهى عنه : من كتابه ، وعلى لسان نبيه ، إذا قرأ محمّد القرآن شغل قلبه ، وبصره ، وسمعه ، وتفكر في أمثاله ، وعرف حلاله من حرامه » . ( هدى الساري 2 - 199 ) . * * * لقد يسرت عناية اللّه للبخاري سبل النجاح ، وذلّلت أمامه الصعاب ، فاستطاع برحلاته المتتابعة أن يضاعف عدد شيوخه حتّى بلغوا الألف ، وأن ينمى ثروته العلمية على النحو الذي رأينا ، فأقرّ الناس له بالإمامة ، وتبوأ بينهم مركز الصدارة عن جدارة ، وقد أدرك عظيم فضل اللّه عليه فقابل نعمته بشكر يديمها ، ولم يكن هذا الشكر إلّا بالعمل الذي خلّدها ، واستبقى آثارها متعاقبة بعده . ذلك أنّه لم يكن شحيحا بهذه الثروة على غيره ، ولو فعل ما كان له من فضل يؤثر ، ولا ذكر بشيء أكثر من أنّه تثقّف ثفافة واسعة ، وملأ نفسه بالمعرفة ، ولكنه كان يعرف أن العلماء ورثة الأنبياء ، وأن التبليغ من خصائص هذه الوراثة ، فسخت نفسه بثمار كدّه وسعيه ، وعمل بكل جهده على نشر علمه ، كما عمل بكل جهده على تحصيله وجمعه ، وقد أعانه اللّه على قصده النبيل ، ووفّقه في انتحاء مسالك النشر العلمي المعروفة لعهده ، وما كان منها في ذلك الوقت إلّا مسلكان