البخاري
تصدير 59
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وإذا كان قصده من هذا العمل أن يستوثق لما يروى عن المحدثين ، فإنه - في الوقت نفسه - يجمع كثيرا من المعارف النافعة واللازمة في دراسة الحديث . وبهذا اتسعت مدارك البخاري في فقه الحديث وعلومه ، وارتقت معارفه إلى القدر الذي يعلن عن امتيازه ، وتنبّه شيوخه وأقرانه إلى هذه المعاني فيه ، فجعلوه صاحب لوائها ، وجامع أفضالها ، وعبروا بالفعل والقول عن سموّه فيها . تنبهوا إلى دقة فهمه وبراعة فقهه ، فأحالوا عليه في المسائل المشكلة ، واعتمدوا على فتياه فيها ، ويوسف بن محمّد الهمدانيّ يقول : « سئل قتيبة - يعنى ابن سعيد - عن طلاق السكران ، فدخل محمّد بن إسماعيل ، فقال قتيبة للسائل : هذا أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعليّ بن المديني ، قد ساقهم اللّه إليك ، وأشار إلى البخاري » ( هدى الساري 2 - 197 ) . ويقول البخاري : « كنت عند إسحاق بن راهويه ، فسئل عمن طلّق ناسيا ، فسكت طويلا مفكرا ، فقلت أنا : قال النبيّ - صلّى اللّه تعالى عليه وآله وسلم - : « إن اللّه تجاوز عن أمي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به ، أو تكلم » . وإنّما يراد مباشرة هؤلاء الثلاثة : العمل والقلب ، أو الكلام والقلب ، فقال إسحاق : قويتني قوّاك اللّه ، وأفتى به » ( هدى الساري 2 - 198 ) . وتنبهوا إلى اتساع باعه في علوم الحديث ، فكانوا يسألونه وحاشد بن إسماعيل يقول : « رأيت عمرو بن زرارة ، ومحمّد بن رافع عند محمّد بن إسماعيل ، يسألانه عن علل الحديث ، فلما