البخاري
تصدير 58
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
ومغزى القصة : أن البخاري لم يكن مجرّد حافظ يسمع الحديث ويختزنه في ذاكرته ، بل كان يقرن الرواية بالدراية ، ويشفع نصيبه من الحفظ بالمعارف المقومة لسلامته وتأمينه من الزيف ، فيحفظ أصول المتون ، ليزنها بميزان صادق أمين ، ويحيط بأحوال الرجال ، ليعرف العدل والمجروح من الرواة ، والصحيح والفاسد من الأسانيد . وقد ارتحل البخاري ، وطوّف بالأمصار ، والتقى بالشيوخ على النحو الذي عرفناه ، وأضاف إلى ما حفظ في بلده تلك الزيادات الواسعة التي قدرتها الروايات بمئات الألوف ، فكان - ولا بد - أن يتضاعف نصيبه من علوم الدراية ، بقدر ما تجدّد له من مصادرها المختلفة ، وبقدر ما زاد في حفظه من المتون ، وما زاد في أسانيده من الرجال . كان لا بدّ من هذا ، لأن البخاري بلقاء من لقى من كبار الأئمة استطاع أن يستوعب ما عندهم من هذه العلوم ، وأن يضيفها إلى ما كان عنده ، ولأنّه اختط لنفسه خطة فريدة في جمع الحديث ، فكان إذا سمع حديثا من رجل لم يتركه إلّا بعد التأكد من شخصه ، والتعرف على أحواله ، والتثبت من صحة نقله ، وهو يقول في معرض الموازنة بين عمله وعمل المحدثين : « لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء ، كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه ، وكنيته ونسبته ، وحمل الحديث إن كان الرجل فهما ، فإن لم يكن سألته أن يخرج إلىّ أصله ، ونسخته ، أما الآخرون فلا يبالون بما يكتبون » ( تاريخ بغداد 2 - 25 ) .