البخاري
تصدير 42
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
عدول عن ظاهر الدلالة اللفظية ، وهو لا يكون إلّا لعلة مانعة ، وإذا فتشنا لم نجد هنا مانعا من إرادة الظاهر ، اللّهمّ إلّا أن يكون استكثارا للعدد واعتباره غريبا على قدرة البخاري ، وهل من الغريب أن يحفظ هذه المقادير وأكثر منها ، وقد هيأه اللّه لذلك بأسمى المواهب ويسّر لنجاحه فيه أقوى الأسباب ؟ . وهل من الغريب أن يحفظ هذه المقادير وأكثر منها ، من أصفاها من عمره بنيف وخمسين سنة لم يفتر فيها لحظة عن الجمع والتحصيل ، ولم يتجرد أبدا من صفة التلميذ المجد ، ولم يترفع يوما عن السعي إلى من يزيده علما فوق علمه ، حتى بعد أن صار أستاذا يسعى إليه الناس ؟ . ليس هذا بغريب إذا استعنّا في النظر بمقياس الزمن ، وقابلنا ما يقدّر به حفظه في عمره كله ، بما كان من حفظه مدة إقامته في بلده ، وقد عرفنا من قبل أنّه لم يبدأ رحلاته ، إلّا بعد أن امتلأ صدره ، واتسعت روايته ، بما تلقّى عن شيوخ بخارى ، وبما وعى من كتب المشاهير من أئمة الحديث ، وعرفنا أنّه كان من صغره يلفت الأنظار بغزارة الرواية ، ووفرة المحفوظ ، ولعلنا نذكر قصته مع محمّد بن سلام في هذا الشأن ، وتعجبه لسليم بن مجاهد من هذه الظاهرة النادرة ، وخروج ابن مجاهد إلى البخاري يسأله عما يقال في حفظه ، فيؤكده له . لعلنا نذكر ذلك ، ونذكر ما افترضناه من احتمالات زمنية لوقوع هذه القصّة ، ونعود مرة أخرى إلى التسليم الجدلي بأنها كانت في أخريات إقامته الأولى ببخارى ، فتكون النتيجة أنّه كان