البخاري

تصدير 43

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

مشحون الصدر قبل رحيله بأكثر من سبعين ألف حديث ، ومعها ما يحفظ من الأصول القرآنية والحديثية لما يروى من أحاديث الصحابة والتابعين وما يعرف من مولد أكثرهم ، ووفاتهم ، ومساكنهم ، وإلى جانب هذا كله كتب عبد اللّه بن المبارك ، وكتب وكيع بن الجراح ، التي حفظها سنة خروجه للحجّ ، كما نقلنا عنه من قبل . فإذا كانت هذه الحصيلة العظيمة هي طاقة البخاري من التحمل في خمس سنين ، أو فيما فوقها بقليل ، ولم تتسع فيها سبل أخذه إلّا بمقدار ، ولم يلتق فيها بغير العدد المحدود من الشيوخ وهم الذين وجدهم في بلده ، فماذا عسى أن تكون طاقته وتحمله فيما بقي من عمره ، وبعد أن اتسع أمامه نطاق الأخذ ، وتجاوز شيوخه عدد الألف ؟ لقد كان للبخاري مقنع فيما حفظ في خمس سنواته الأولى من طلب الحديث ، كان له فيه مقنع لو رضيت همته أن يتخرج في مستوى الأكثرين من محدّثى زمنه ، ومنهم شيوخ بلده ، ولكن نفسه الكبيرة لم تقنع بما دون الإمامة ، فلم يكتف بهذه السنوات الخمس وما جمع فيها ، وأضاف إليها قرابة الخمسين عاما التي بقيت من عمره ، فلم يترك منهلا إلّا استقى منه ، ولا مصدرا إلّا تحمل عنه ، وذلك ليتأهل إلى ما أمل من صفة الإمامة ، فأضاف إلى ثروته السابقة ما أضاف ، وارتفع بها في الحفظ والرواية إلى ما ذكر من الأعداد ، فيظن من لا يعرف أنّها كثير ، وما هي بالكثير . * * *