البخاري

تصدير 25

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

والحافظ ابن حجر يعقّب على هذا الجزء الأخير من هذا الخبر ، ويقول : « فكان أول رحلته على هذا - سنة عشر ومائتين ، ولو رحل أول ما طلب ، لأدرك ما أدركه أقرانه من طبقة عالية ما أدركها ، وإن كان أدرك ما قاربها ، كيزيد بن هارون ، وأبى داود الطيالسي ، وقد أدرك عبد الرزاق ، وأراد أن يرحل إليه - وكان يمكنه - فقيل له : إنّه مات ، فتأخّر عن التوجه إلى اليمن ، ثمّ تبين أن عبد الرزاق كان حيا ، فصار يروى عنه بواسطة . ( هدى الساري 2 - 193 ) . ومفهوم هذا التعقيب أن الأعوام التي تلبثها البخارىّ طالب علم في بلده ، قد فوتت عليه فرصة ظفر بها أقرانه ، وكان جديرا أن يظفر بها لو لم يتعوق عن الرحيل مدة هذه الأعوام ، فقد مات فيها محدّثون أعلى طبقة من شيوخه ، أدركهم أقرانه والتقوا بهم وكان لهم حظ الرواية المباشرة عنهم ، فكان إسنادهم فيها عاليا ، أما هو فلم يدركهم ، لأنهم ماتوا قبل أن يدخل بلادهم ، فلم يستطع رواية أحاديثهم إلا بواسطة من سمعوا منهم ، فجاء إسناده فيها نازلا ، ولو بكر في رحلته لأدرك هؤلاء الذين سبقوا رحلته بالموت ، ولروى عنهم بغير واسطة ، ولكان إسناده فيما روى لهم أعلى طبقة ممّا جاء عليه . ولهذه الملاحظة وجاهتها ، فلا شك في أن هذه الفرصة التي فاتت على البخاري لها قيمتها في ذاتها ، ولكن التلبث الذي كان سببها هو من زاوية أخرى ، في نظرنا رحمة من اللّه بهذا الصبى الغضّ العود ، وبالأمة التي ادخره لها ، وهيّأه ليخدم أصلا من أصول دينها ، رحمة واسعة وتدبير لطيف ، تأخرت بهما رحلة البخاري عن أول طلبه للعلم إلى أن يصلب عوده ، ويستحكم بناؤه ، ويقوى على مجابهة الأسفار