عبد الله بن الرحمن الدارمي
99
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
ولما كانت الحياة الإسلامية وحدة لا تنقسم ، فقد جاءت الكتب الفقهية للفقهاء المحدثين وحدة عضوية متماسكة أشد التماسك . تبدأ بالحديث عن الوحي ، قرآنا وسنة ، وعن الإيمان الصادق الذي يحيى الوحي به فيحيى موات النفوس ، ثم العلم بهذا الوحي الناظم للحياة طورا فطورا ، ثم تأتي الأحكام الشرعية المنبثقة من هذه العقيدة التي استحوذت على القلب لتلون كل ما يقوم به المؤمن من أعمال . إن المحدثين الفقهاء يشيدون بصنيعهم هذا الحياة الإسلامية حسبما رسمها الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم النور الذي أرسله اللّه لتبديد الظلام يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [ المائدة : 15 ] وجاء بالوحي ، والوحي نور : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [ التغابن : 8 ] . لبنات هذا البناء أحاديث نبوية جميلة الأسلوب ، سهلة الفهم مشرقة الديباجة ، وكلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم يجري مجرى عمله : كله دين وتقوى وتعليم ، وكله روحانية وقوة وحياة ، ولذا فإن اتباعها فخر ، والتسليم إليها اطمئنان لأنها تتدفق بطابعها الرباني ، وبسمتها النبوي الشريف . إن كلامه صلى اللّه عليه وسلم مزود بقوة أمر نافذة لا تتخلف ، وإن له نسقا هادئا هدوء اليقين ، بينا بيان الحكمة ، خالصا خلوص السر ، واقعا في النفس المؤمنة موقع النعمة من شاكرها ، فكأن الإخلاص والورع وحسن الخلق هو الخيط الذي يربط الأحاديث برباط واحد ، والروح التي تتخللها وتسري فيها ، فتشكل الضوابط الفعالة التي تحكم السلوك الإنساني في كل صوره وأشكاله .