عبد الله بن الرحمن الدارمي

77

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

ما يسره اللّه له من عبادته صلى اللّه عليه وسلم ، ومن فتاواه وأقضيته ، فحفظ ذلك ، وعقله ، وعرف لكل شيء وجها رشحته له القرائن التي حفت بهذا الشيء أو ذاك : فحمل بعضها على الإباحة ، وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ليذهب هذا المذهب أو ذاك . لقد كانوا - رضوان اللّه عليهم - الآنية الحية الشريفة النظيفة التي استوعبت ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فهم أعلم الناس بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبهديه في حله وترحاله ، وهجرته ، وجهاده ، وعبادته ، ومعاملاته ، وحربه وسلمه ، ويقظته ونومه . . . كانوا كذلك طوال عصره المبارك ، وعند انقضاء هذه المدة الخصبة المعطاء التي كانت غرة الزمان ، ومفخرة العصور ، تفرق الأصحاب في البلاد ، قال مالك : « إن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلاد وكل سنة مضت » . وأصبح كل واحد منهم القدوة في ناحيته : هو المفتي ، وهو القاضي ، وهو المستشار في كل نازلة من نوازل الدهر . وكانوا يستفتون في كل مسألة ويجيب كل منهم فيما حفظه من أحاديث أو أحكام ، وإذا لم يجد في ذلك ما يصلح للجواب اجتهد برأيه ، منطلقا من العلة التي أدار عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحكم في منصوصاته ، فإذا وجدها أصدر الحكم . وكان لا يألو جهدا في موافقة غرض الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وعند ذاك كثرت الخلافات بينهم وتنوعت وقد بسط هذا كلّه في مظّانّه . وبالجملة فقد اختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأخذ عنهم التابعون فحمل كل تابعي ما تيسر له ، وحفظ ما سمع من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن