عبد الله بن الرحمن الدارمي

78

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

مذاهب الصحابة وعقل ذلك كله ، وجمع المختلف من الأحاديث والأقوال على ما تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ، وهجرت بعض الأقوال التي أثرت عن الصحابة لأنها مرجوحة ، وبذا فقد أصبح لكل تابعي مذهب ، وكان لهم أصول تلقوها من السلف ، وكان أصحاب كل قطر يرون أنهم أثبت الناس في الفقه ، وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة ، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة ، وإذا تكلما بشيء ولم ينسباه إلى أحد ، فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا أو إيماء ، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما ، وأخذوا عنهما ، وعقلوه ، وخرجوا عليه . ولأن السنة وحي وقد تكفل - جل وعلا - بحفظه فقد هيأ جماعة من أصفياء البشر ينقلونه جيلا إلى جيل ، وقرنا إلى قرن : لقد تعلم هؤلاء من التابعين حقيقة الوضوء ، والغسل ، والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ، وسمعوا حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقضايا قضاة البلدان ، وفتاوى مفتيها ، وسألوا عن المسائل ، واجتهدوا في ذلك كله . ولما وسد الأمر إليهم ، نسجوا على منوال شيوخهم ولم يقصروا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات ، فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا ، وحاصل صنيعهم التمسك بالمسند من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبالمرسل جميعا ، والاستدلال بأقوال الصحابة والتابعين لأنهم يعتقدون أنها إما أحاديث منقولة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم اختصروها فجعلوها موقوفة ، وإما أنها استنباط منهم من النصوص ، أو اجتهاد منهم بآرائهم ، وهم أحسن صنيعا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم ، وأكثر إصابة ، وأقدم زمانا ، وأوعى علما ، فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا ، وكان حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخالف قولهم مخالفة ظاهرة . وكانوا إذا اختلفت أحاديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم في مسألة يرجعون إلى أقوال