عبد الله بن الرحمن الدارمي

67

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

الإنسان وجهوده ، وإلا فستبقى هذه المباديء فلسفة نظرية ، أو رياضة عقلية ، أو رصيدا معرفيا . . . وقد يتخذه قوم مادة للتغني والتجويد ، أو يتلونه في مناسبات العزاء ، أو يتخذونه حجابا يتبركون به ويدفعون به صائلات الدهر . . . فالقرآن لا يعمل بطريقة سحرية ، ولا تتدخل قدرة اللّه تعالى إلا بعد بدء الإنسان ببذل ما لديه من جهد وإن كان قليلا ، وآنذاك تتدخل قدرة اللّه فتوصله إلى الغاية المطلوبة وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [ مريم : 25 ] . تتابع نزول الوحي على الرسول المختار ، فبهر إعجازه فحول اللغة وفرسان الكلام ، وأدركوا أنه ليس من كلام البشر ، فقالوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [ المدثر : 24 ] ، فالوحي يحمل دليل صدق انتسابه إلى العلي العظيم ، والمعجزات التي ظهرت للناس كانت مع الوحي الدليل الأكيد الواضح على صدق نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وصدق رسالته ، ولكن الخلفيات المعرفية للناس ، والمصالح الدنيوية ومدى سيطرتها على القلوب ، وصياغتها لأفعال الناس جعلت رعيلا من هؤلاء يدمغهم القرآن الكريم بقوله : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . غير أن مبادئ هذا الدين القيم لا تحيا ، ولا تحيا بها القلوب إلا إذا صدقتها ، وآمنت بها إيمانا يسمو على المعرفة والدراية ، يصحبه - بل يصدر عنه - ثبات الحكم ، وسكون النفس ، وطمأنينة القلب فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] .