عبد الله بن الرحمن الدارمي

57

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

الدعوة ، وعلى مسيرة الدعوة فيه ، فاستقرأ الواقع ، وأصول الدعوة ، ومنهج تطبيقها ، فخلص إلى وضع منهجين لا صلاح للأمة بدونهما : منهج تربية العقيدة في القلوب حتى تستقر فيها ثم تنطلق فيها عملا بالجوارح ، ودعوة باللسان . ومنهج التطبيق لهذه القيم المنبثقة من هذه العقيدة والضابطة لحركة الإنسان وعلاقته بخالقه ، وعلاقته بنفسه ، وعلاقته بالحياة والأحياء . أما المنهج الأول - منهج تربية العقيدة - وعقيدتنا وحي يتنزل من السماء حقا خالدا ، حيا محييا ، يتنزل علاجا لأمراض الإنسان والمجتمع الإنساني ، يتنزل بتقدير وتقرير ممّن خلق فسوى وقدر فهدى وأحاط بكل شيء علما . وقد أصبح من المسلمات الآن أن العقيدة إذا استقرت في أعماق القلب ، لا بد أن تنطلق من كل جارحة من جوارح الإنسان سلوكا بناء ، ودعوة مخلصة . فالعقيدة هي التي تصنع الإنسان ، ووفق أحكامها يبنى المجتمع ، بناء سليما سلامتها ، صافيا صفاءها ، شامخا شموخها ، قادرا قدرتها ، مستمرا استمرارها ، معطاء عطاءها . . . إنه الوحي قانون الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، وليس إفراز ذهن إنساني محدود عاجز متقلب متحول . وليس أدل على ذلك من إفلاس دول الحضارات ، التي يعلن واقعها بلسان الحال قبل لسان المقال : أن القوانين عاجزة عن إقامة المجتمع الحق الذي تحترم فيه الحقوق ، وتؤدى فيه الواجبات على الوجه الكامل ، لأن من يؤدي واجبه رهبة من السوط ، أو خوفا من السجن ، أو حرصا على منفعة ،