السيد محمد الصدر

473

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وقصد القربة معنى تشريعي ، والاقتراب معنى تكويني ، ولا منافاة بينهما ، لأن الإنسان ينبغي أن يقصد القربة لكي يقترب . فيكون ذاك مقدمة لهذا . ومقدمة الاقتراب التكويني هو السجود ، وهو غاية الخضوع للّه عزّ وجلّ . وكلما خضع أكثر اقترب أكثر . فقوله : اقترب ( معلول ) وقوله : ( اسجد ) علة . وقد ذكر العلة قبل المعلول ، وهو السياق الطبيعي فقال : واسجد واقترب . يعني اسجد لكي تقترب . ولا يقال : إن اقترب فاعله العبد ، وهو قصد القربة ، أما إذا كان المراد الاقتراب التكويني أو الثبوتي ، لكان الفاعل هو اللّه جل شأنه ، فيكون المعنى : اسجد فتقرب . كقوله تعالى : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ . فهو فعل اللّه ، فيكون هذا قرينة على قصد القربة ، لا على الاقتراب التكويني . ولكن هذا قابل للمناقشة ، لأن القدرة على المقدمة قدرة على النتيجة . فكأن العبد يطلب من اللّه سبحانه أن يفتح له باب الاقتراب ، وذلك بإيجاد العبادة ، بفعله الاختياري . فيكون المعنى : اسجد وبفعلك للسجود اقترب ، وبتعبير آخر : إن المأمور به هو المجموع وليس واحدا منهما . يكفينا من ذلك أن كلا اللفظين ، بفعل الأمر : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ . وإذا تنزلنا عن ذلك ، وقلنا بأن الاقتراب بفعل اللّه تعالى . فيقع تعارض بالقرائن المتصلة بين أمرين : من حيث إن اقترب ظاهر بالتقرب التكويني ، وإن الفاعل هو العبد ، وليس هو اللّه تعالى . مع العلم أننا نعلم خارجا أن العبد لا يستطيع أن يقترب تكوينا ، بل هو فعل اللّه سبحانه . وجواب ذلك من وجوه : الوجه الأول : أن نتنزل عن المقدمة الأخيرة ، ونقول : إن العبد ، يستطيع عرفا أن يتقرب تكوينا ، ولو إلى درجة معتدّ بها . ويكون هذا هو المقصود . الوجه الثاني : أن يقع التعارض بينها ، فنقدم ما هو الأرجح والأظهر لفظيا . وهي مادة الاقتراب التي تدل على الاقتراب التكويني ، ويكون إسناده إلى العبد مجازيا .