السيد محمد الصدر

445

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أقول : إنه مما يدفع وينفي فهمه هذا هو أن أحدا لم يكن ينهاه عن تلك الصلاة ، بل لم يكن أحد يراه ، وهو يصلي في غار حراء . ولم يكن يصلي في مكان آخر . والسياق واضح في مناقشة النهي عن الصلاة . وهو إنما كان بالصلاة أمام الكعبة . إذن ، فلا بد من التنزل عن إحدى المقدمتين : أما نزول السورة في أول البعثة ، أو نزولها دفعة واحدة ، فإن الوارد تاريخيا هو نزول أولها وليس نزول جميعها . إلّا أن يقال : بأن سياقها واحد ، وآياتها مترابطة ، وبذلك يبعد الظن بوجود الفاصل الزمني ، وهذا دلالة على نزولها الدفعي . فيتعين أنها لم تكن نازلة في أول البعثة . وإن دل على ذلك خبر ، فإنه على خلاف ظاهر القرآن ، فلا يكون حجة . فإن قلت : إن الدلالة على نزولها أول البعثة بدليلين : الأول : الخبر التاريخي بذلك ، وهو وإن كان عاميا ، لكن المتشرعة قد تسالموا على صحته وأخذوا به . الثاني : إن لفظ اقرأ فيه إشعار بذلك . أي اقرأ الرسالة المحمدية ، أو اقرأ ما ترسل به من الآن فصاعدا . وظهور القرآن حجة . قلت : لا يتم ذلك لأكثر من وجه : أولا : إنه ليس هناك خبر تسالم المتشرعة على صحته حول ذلك . وإنما سكتوا عنه لمجرد كونه محتمل الصحة ، كما ورد : ما طرق سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان . ثانيا : إن متعلق القراءة ليس بالضرورة الرسالة المحمدية كلها ، بل يراد بها القراءة في الجملة ، بنحو القضية الجزئية التي تصدق على القليل والكثير . أي اقرأ هذه السورة أو اقرأ القرآن ، ونحو ذلك . فبالإمكان أن نقول : إن السورة لم تنزل في أول البعثة ، بل ظاهرها هكذا . لوجود النهي عن الصلاة فيها . وبذلك نضرب الرواية الدالة على ذلك عرض الجدار . لأنها خلاف ظاهر القرآن ، وكل ما خالفه لم يكن حجة .