السيد محمد الصدر
310
منة المنان في الدفاع عن القرآن
قلت : يمكن المناقشة في ذلك بوجوه : أولا : إن الآية غير واضحة في أن البعثرة والتحصيل يكونان في زمان واحد . وإن كان لا يبعد أن تكون الإشارة إلى السابق قبل اللاحق . ثانيا : إنه يمكن أن يكون للقبر معان أخرى ، فإن حاصله : وجود ما هو مخفي فيه وهو الميت وظهوره بعد الكمون . وكذلك كوامن النفس لا حركة فيها - كالميت - فتخرج بالتمحيص . وكذلك الذاكرة ، فإن المنسيّ بمنزلة الميت ، فيظهر بالتذكر . وحيث قلنا إن الأقرب تحصيل ما في الصدور في الدنيا ، فبعثرة القبور أيضا يكون بالمعنى المناسب لها . ومن الواضح أن البعثرة من قبيل إزالة المانع في طرف العلة ، والتحصيل بمنزلة المعلول . فيكون الأول متقدما على الثاني . وقوله : يومئذ ، يدل على أن المراد كلا هذين المعنيين ، لأن يومهما واحد عرفا . سؤال : أثاره الرازي في هامش العكبري حيث قال « 1 » : كيف قال اللّه تعالى : إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ . مع أنه تعالى أخبر بهم في كل زمان . فما هو الوجه في تخصيص ذلك اليوم ؟ جوابه : ما ذكره في جوابه بقوله « 2 » : معناه أن ربهم سبحانه مجازيهم يومئذ عن أعمالهم . فالعلم مجاز عن المجازات . ونظيره قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ، معناه يجازيهم على ما فيها . لأن علمه شامل لما في قلوب كل العباد . ويقرب منه قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ . أقول : أما أن السياق سياق المجاز ، فنعم . ولكن هذا يتم على أشكال عديدة :
--> ( 1 ) ج 2 ، ص 15 . ( 2 ) المصدر والصفحة .