السيد محمد الصدر

264

منة المنان في الدفاع عن القرآن

المستوى الأول : يحصل لدى البلاء الدنيوي ، فيجد الفرد أن الناس كلهم غير ملتفتين إليه ، وغير مهتمين بأمره ، ولا قادرين على إزالة ضرره وإنقاذه من ورطته . بل كل منهم مشغول بحاله حتى أفراد أسرته . وهو معنى الشعور بالغربة أو الاغتراب ، الذي تحدثوا عنه في علم النفس الحديث . وهذا المعنى يتأكد كلما زاد البلاء . ومن هنا يصدق أن الناس أصبحوا متفرقين كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ لأنهم تفرقوا عنه جميعا . كما يجد الفرد أن من كان يشعر بأهميتهم من أهل الاختصاص ، لم ينقذوه ، حتى الأطباء والأثرياء وغيرهم . وهو تعبير عن تلاشي الجبال ، يعني لا يوجد منقذ من الأفراد العاديين ولا من الاختصاصيين . المستوى الثاني : يحصل لدى أهل الإيمان العالي ، حيث يجد الفرد منهم : أن الناس لاهون عن مصالحهم الحقيقية ومستهدفون أهدافا دنيوية باطلة وظالمون لأنفسهم . لا يختلفون عن الحشرات الطائرة بشيء معتدّ به . كما قال اللّه سبحانه « 1 » : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا . إذن فهم كالفراش المبثوث ، والحشرات المنتشرة ، كل منهم يتوجه إلى مصلحته الذاتية . و تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ بعدة أطروحات : الأولى : إن نفس الجبال تزول ، بما فيها من أهمية وعظمة في نظر أهل الدنيا . كما قال اللّه سبحانه « 2 » : أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ . الثانية : الأشخاص المهمون في الدنيا ، من أهل الاختصاص وأهل المال . تزول أهميتهم لعدة أسباب ، منها : اليأس من خيرهم ، كما أشرنا . ومنها تلاشي أهميتهم في مراتب اليقين .

--> ( 1 ) الفرقان / 44 . ( 2 ) الإسراء / 51 .