السيد محمد الصدر
219
منة المنان في الدفاع عن القرآن
تدخل في أفواههم فتصل إلى أجوافهم وقلوبهم ، فيكون ذلك أبلغ في المضض وأعظم للألم . أقول : وفرقه عن الوجه السابق : أن ذاك على معنى أن الألم لم يصل إلى الفؤاد . ولكن هنا تصل نفس النار إليه . ونقطة القوة في هذا الوجه : إنه لا يحتاج إلى تقدير ، بل هي تطلع على الأفئدة ، بغض النظر عما قلناه هناك . الوجه الرابع : إنها تذيب الجسم حتى تصل إلى القلب . كما قال تعالى « 1 » : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها . فيصل العذاب إلى القلب مباشرة . وحيث إن الموت غير موجود في النار ، فيعاد الجسد كرة بعد كرة . إن قلت : إن هناك فرقا بين الآيتين . فنضجت معناه : انطبخت ورقت نتيجة للاحتراق ، لكن الآية هنا - حسب هذا الوجه - تدل على أن الجسم كله يذوب ويتلاشى . قلت : هذا من الفهم السطحي ، لأن نضج الجلود كما يناسب رقتها يناسب ذوبانها وتقطعها وتلاشيها . حتى تصل النار إلى اللحم والعظم ثم إلى القلب والفؤاد . فتطابق المعنيان . الوجه الخامس : ما نقله الشريف الرضي عن آخرين « 2 » من أن الاطلاع هو العلم ، كقوله تعالى « 3 » : أَطَّلَعَ الْغَيْبَ . فالمراد : إن اللّه تعالى يخلق في النار علما تطلع به على ضمائر الموجودين ، فتوصل إليهم الآلام على قدر مراتبهم من الذنوب . أقول : هذا الوجه في طول القرآن ، ولأجل تصحيح الآية . في حين أننا نصحنا أن نأخذ بالفهم السابق على الآية ، والذي يمكن أن تكون الآية قد نزلت على أساسه .
--> ( 1 ) النساء / 56 . ( 2 ) انظر تلخيص البيان ، ص 284 . ( 3 ) مريم / 78 .