محمود ماضي

56

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

بمعنى أن جنس الفعل مما يقدر عليه قومه إلا أن النوع المعجز لا يقدرون عليه ، فالقرآن الكريم نوع في جنس الكلام ، فهم يقدرون على الكلام كجنس إلا أنهم عجزوا عن الإتيان بمثل هذا النوع من الكلام . ومن علماء المسلمين من رفض أن يكون جنس المعجزة مما يقدر عليه العباد ، يقول الباقلاني في إعجاز القرآن فلا « يصح دخوله تحت قدرة العباد وإنما ينفرد اللّه تعالى بالقدرة عليه . . لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز » « 1 » . غير أن كلام الباقلاني مدفوع باعتبار أن كل حادث مقدور للّه تعالى ، وأفعال العباد مقدورة للّه وهو خالقها والاعتبار في فعل مدعى النبوة كونه خارقا . الثاني : أن يكون خارقا للعادة إذ لا إعجاز دونه « 2 » لأنه لو كانت « المعجزة عادة معتادة يستوى فيها البار والفاجر والصالح والطالح ومدعى النبوة المحق بها والمفترى بدعواه لما أفاد ما يقدر معجزا وتنصيصا على الصادق » « 3 » . أي أن يكون خارقا لما اعتاده الناس واستمروا عليه مرة بعد أخرى لتمييز المدعى عن غيره ، وهذا الأمر « قد يكون إتيانا بغير المعتاد وقد يكون منعا من المعتاد » « 4 » . ولكن قد يقول قائل : كيف « يتيقن العاقل كون ما جاء به النبي خارقا للعادة ، وقد استقر في نفسه ما اطلع الحكماء عليه من خواص الأجسام وبدائع التأثيرات ، حتى توصلوا إلى قلب النحاس ذهبا إبريزا . . . فما يؤمننا أن يكون مدعى النبوة قد عثر على سر من هذه الأسرار وتظاهر به ؟ » « 5 » . أجاب الجويني بأننا نضطر إلى العلم بأنه ليس في القوى البشرية والفكر الحكيمة إحياء العظام بعد ما رمت وإبراء الأكمه والأبرص وقلب العصا حية . المقصود أن حجة النبي لا تكون كذلك حتى تعجز الناس - بل الأنس والجن - وتخرج عن حد طاقتهم . الشرط الثالث : اقتران المعجزة بدعوة النبي ، بمعنى أن يقع الأمر المعجز عقب دعوى المدعى للنبوة . أي يجب أن يكون المعجز حادثا في المدلول عليه وفي زمانه . غير أن الإمام ابن تيمية رفض هذا الشرط ، لأن الآيات ما هي إلا « شهادة من

--> ( 1 ) - الباقلاني : إعجاز القرآن ج 1 ص 288 بهامش الإتقان في علوم القرآن ط الحلبي 1370 ه . ( 2 ) - الإيجي : شرح المواقف ج 2 ص 410 . ( 3 ) - الجويني : السابق ص 309 . ( 4 ) - الرازي : محصل أفكار المتقدمين . . . ص 151 . ( 5 ) - الجويني : السابق ص 312 .