محمود ماضي

35

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

وعلى تميز حضارى وتعصب ديني « 1 » . وإذا كان هذا المنهج التاريخي يمارس بصراحة إمبريالية على التاريخ ، يبرز ما يريد ويقمع ما يريد ، فإن المناهج الأخرى التي تختلف - والتي سنعرض لبعضها بعد قليل - لم تكن تمس أبدا الإطار الذي قام هذا المنهج من أجل تشييده وتقويته ، إطار المركزية الأوربية بوصفها مرجعا لكل شئ يقع خارج أوروبا « 2 » . والمنهج التاريخي إذا أريد له النجاح في تناول السيرة فإن ذلك يقتضى ثلاثة شروط : أولها : . . احترام المصدر الغيبي لرسالة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » وحقيقة الوحي الذي تقوم عليه . ثانيها : اعتماد موقف موضوعي بغير حكم مسبق يعرقل عملية الفهم . ثالثها : تقنية تتمثل في الإحاطة جيدا بأدوات البحث التاريخي بدءا باللغة وجمع المادة الأولية وانتهاء بطرق المقارنة والموازنة والنقد والتركيب . . . » « 3 » . 2 - المنهج التحليلي « 4 » : يقوم المنهج التحليلي على تفتيت الظاهرة الفكرية إلى مجموعة من العناصر يتم التأليف بينها في حزمة لا متجانسة من الوقائع أو العوامل التي أنشأتها . بمعنى أنه إذا كان المنهج التاريخي يقوم باستبدال واقعة مادية بالظاهرية الفكرية ، فإن المنهج التحليلي يقوم بعد ذلك بتفتيت هذه الظاهرة وردها إلى عناصرها الأولية ، كأن تكون ظروفا اجتماعية أو سياسية أو دينية . وطبقا لهذا المنهج وهذه الخطوة يصبح العنصر الديني مع أنه الدافع الأول لتكوين الظاهرة عنصرا مساعدا لبقية العناصر ، ضامرا ، متقوقعا . وهذا المنهج مخالف لطبيعة الظاهرة الفكرية المدروسة التي تكونت أساسا من تحويل النص الموحى به إلى معنى والمعنى إلى بناء نظري . لأن فكرة العوامل التي تحدد تكوين الظاهرة وتتحكم فيها ، وفكرة العناصر التي تتكون منها مادة الظاهرة لا يمكن أن تساعد على فهم الظاهرة الفكرية التي نشأت طبقا لمنهج التفسير في تفسير النصوص ، أي طبقا لمنطق في فهم الوحي ، وحسب منطق عقلي آخر حدد طبيعة

--> ( 1 ) - د . حسن حنفي : دراسات إسلامية ص 227 - 228 دار التنوير 1982 م ، د . ساسى سالم الحاج : الظاهرة الاستشراقية . . . ج 1 ص 201 . ( 2 ) - د . محمد عابد الجابري : الرؤية الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية ( مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية ) ج 1 ص 319 . ( 3 ) - د . عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة . . . ص 8 مصدر سابق . ( 4 ) - د . حسن حنفي : السابق ص 97 - 101 .