محمود ماضي
36
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
البناء النظري للظاهرة الفكرية الناشئة من تحول الوحي إلى حضارة ليست ظاهرة مركبة تركيبا صناعيا من عناصر ووقائع مادية أنشأتها عوامل تاريخية ، فالظاهرة الفكرية هنا امتداد للنص الديني « 1 » . وقد عارض المستشرق السويدي « تور أندريه TorAndrac » صاحب كتاب ( محمد حياته وعقيدته ) هذا المنهج العقيم الذي سلكه بعض المستشرقين في البحث ، مبينا أن جوهر النبوة ، لا يمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية ، ويرى أن مهمة الباحث : أن يدرك في نظرة موضوعية كيف تتألف من العناصر والمؤثرات المختلفة وحدة جديدة أصيلة تنبض بالحياة « 2 » . ومنهج تفتيت الظواهر إلى جزيئات لا يمكن أن تكون منهجا عاما متفقا عليه ، لأنه نابع من عقلية الباحث الغربى ومزاجه وثقافته وبيئته وطبيعة الدين الذي نشأ فيه . ومن هنا يتضح خطأ المستشرق حين يطبق هذا المنهج - الإقليمى أو المحلى - على الظاهرة الدينية الإسلامية . أما المسيحية ، فطبقا لها يمكن تقسيم الظاهرة إلى عوامل دينية وأخرى غير دينية ، وذلك لأن الدين المسيحي لا ينظم إلا الجانب الروحي ، أما الجوانب المادية التي تتضمن ، عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية فلا شأن للدين بها . ومن أخطاء المستشرقين - أيضا - في تطبيق هذا المنهج على النبوة والوحي ، والقرآن والسيرة . . . : 1 - أنه قد يلجأ إليه عامدا للقضاء على الطابع الكلى الشامل وهو أهم ما يميز الحضارة الإسلامية التي قامت - أيضا - على وحى كلى شامل . 2 - قد يلجأ إليه بطريقة لا شعورية ، عن رغبة دفينة في الهدم والقضاء على الظاهرة . 3 - قد يلجأ إليه حتى يمكن رد كل جزء إلى أجزاء شبيهه في حضارات معاصرة ، ومن ثم يكون التحليل مقدمة لإثبات الأثر الخارجي وتفريغ الظاهرة - الوحي والنبوة - من مضمونها الأصيل . وأخيرا فإن نظرة المستشرقين إلى هذا المنهج - نتاج الفكر الاستشراقى الغربى على أنه منهج عام وشامل ، يمكن تطبيقه على أي دراسة إنسانية ، كدراساتهم للإسلام ،
--> ( 1 ) - د . حسن حنفي : السابق ص 97 . ( 2 ) - محمد كامل عياد : مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ج 4 ص 797 ، 1969 م .